الموقع الأخير .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000
أنا سيدة علي مشارف الأربعين من العمر متزوجة منذ 14 عاما ولي 5 أطفال أكبرهم في الصف الخامس الابتدائي وأصغرهم يبلغ عاما ونصف العام وأعمل موظفة بإحدى المصالح الحكومية .. ومشكلتي هذه التي أعانيها.. وأصبح أطفالي يتقاسمونها معي الآن دون ذنب سببها زوجي ووالد أبنائي فهو دائم التنقل والترحال دون هدف على الرغم من انه رجل طيب ومحب جدا لأولاده وخريج إحدى الكليات النظرية ومتفوق جدا في عمله وبشهادة رؤسائه وزملائه في الأوقات التي كان يعمل فيها, كما انه يجيد أيضا بعض الحرف المهنية, وبالرغم من كل ذلك فإنه فجأة وبدون مقدمات يترك عمله ونترك شقتنا وأحمل أولادي ونرحل سواء إلى خارج مصر أو إلى مدينة أخرى داخل مصر.
إن محل ميلاد كل طفل من أطفالي من واقع شهادات الميلاد مختلف عن الآخر تماما, كما انه إذا فحصت الملف الدراسي الخاص بإحدى بناتي فستجد أنها كانت تدرس كل عام في مدرسة غير العام الذي يليه, ونحن أسرة بلا جذور تقريبا وبلا ذكريات وقد قمت بحصر الشقق والمنازل التي أقمنا بها فوجدتها أكثر من 17 شقة ومنزلا, فهل تتخيل يا سيدي أن أطول مدة كنا نقيم فيها في مدينة ما كانت لا تزيد على سنة, وأنه أحيانا كان ينتقل بنا إلى شقة أخرى داخل المبني نفسه الذي نقيم فيه, لقد استنفدت فترات الإجازات السنوية المقررة وانتدبت إلى معظم محافظات الجمهورية حتى أن زملائي وزميلاتي في الإدارة الأم التي أعمل بها يشفقون علي ويتساءلون بين أنفسهم مما يضعني في حرج شديد.
ومنذ عامين وبعد عودتنا من آخر رحلة خارج مصر أتفق معي على الاستقرار في مصر واتجهنا بالفعل إلى احدي المدن الجديدة, وقام زوجي بافتتاح مشروع جديد يتعلق بإحدى المهن التي يجيدها واستخراج كل الأوراق المطلوبة من رخصة وبطاقة ضريبية وسجل تجاري ونجح بالفعل مشروعنا الجديد هذا والتحق أولادي بالمدارس وأحسست بأن أبواب الفرج ستفتح أمامي, غير أنه وكالعادة أغلق زوجي مشروعه وتركنا الشقة رقم 15 و16 وسافرنا إلى محافظة أخرى وهي التي أقيم فيها الآن وقمت بعمل انتداب جديد لي وتحويل أوراق أولادي إلي مدارس تلك البلدة الجديدة واستأجرنا شقة جديدة وهي رقم 17 و18 ووعدني زوجي بالاستقرار في تلك البلدة غير أنه قام أيضا بتغيير الشقة فوافقته وبكيت أمامه وتوسلت إليه وأقسمت بأنني لن أترك هذه المدينة أبدا لأنني تعبت أنا وأولادي وبدأ الضعف يزحف إلى جسدي ووعدني بالاستقرار.
وذات ليلة فوجئت بزوجي يقبل
أولادي وهم نيام حوالي الساعة الثالثة صباحا ويحمل حقيبة سفر وعندما سألته عن
السبب قال بأنه سيرحل وسيخبرني بمكانه عندما يستقر, إنني لا أعرف سر هروب زوجي
الدائم هذا رغم أنه طيب جدا وصحيفته بيضاء وليس له أي أصدقاء وليس له في هذه
الدنيا سوانا, ولقد اتصل بي زوجي حتى الآن من حوالي أربعة أماكن مختلفة وأرسل لي
ذات مرة مبلغ60 جنيها علمت فيما بعد بأنها كانت كل ما يملك وعلمت أيضا أن نوبات
الصداع الشديد تهاجمه بشدة.
وأصبحت أواجه الحياة بمفردي
وظهرت مشكلة أخرى في حياتي وهي أن لي ابنا يبلغ من العمر4 أعوام شديد التعلق
بوالده وأصيب باكتئاب بعد غياب أبيه وفقد كثيرا من شهيته وعندما اتصل زوجي بي مرة
وأخبرته بحال ابننا حضر في اليوم نفسه وأخذ معه طفلي المسكين ورحلا الاثنان وطلب
مني السماح لأنه ليس بيده شيء.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
لا شك في أن زوجك يعاني بالفعل اضطرابا سلوكيا يدفعه إلى التجوال الدائم في أرض الله الواسعة .. وقد يكون هذا الاضطراب شكلا مخففا من أشكال الفصام الحركي الذي يدفع صاحبه للتحرك المستمر ليل نهار ، فيعرضه للإنهاك الجسدي ، ويؤدی به أحيانا إلى العجز عن أداء أي عمل على الوجه السليم ، وربما يكون كذلك نوعا من مزاج الهروب النفسي الذي يدفع صاحبه للانتقال الدائم من مكان إلى مكان ، کأنما يهرب من شيء مجهول أو كأن هناك أقدارا خفية تطارده ويسرع بالفرار منها ، وفي كل الأحوال ، فإن هذا الاضطراب السلوكي يمكن احتمال آثاره الاجتماعية إذا كان من يعانيه فردا غير مسئول سوی عن نفسه، أما حين يكون زوجا لزوجة وأبا لخمسة أبناء ، فإن الأمر يستدعي بالفعل البحث
عن علاج له لدى الأخصائي النفسي ، كما أن عليك أنت أيضا مسئولية كبرى في مقاومة هذه النزعة الجبرية لديه للحركة والانتقال من مكان إلى مكان .. وذلك بالتشبث بالموقع الأخير الذي رست فيه سفينتكم الجوالة في كل البحار، ورفض مغادرته نهائيا ومهما كانت الأسباب والمبررات ، وعلى زوجك ابتداء من الآن إذا أصر على مواصلة حياة البحارة الذين لا يطول بقاؤهم في كل ميناء سوى يوم أو بعض يوم ، أن يسلم بأنه من الأفضل له ولأسرته أن تكون له « قاعدة » آمنة يبحر منها وحيدا حين يلح عليه نداء الرحيل ، ويرجع إليها متعبا ليجد الراحة والأمان حين يطول به التجوال .. وما أعجب ما يتكشف لنا كل حين من غرائب النفس البشرية وألغازها الغامضة !
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر