النبع القديم .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
فكرت في أن أكتب إليك منذ ثماني سنوات.. ثم جرفتني الأحداث وعدلت عن رغبتي إلى أن جد ما يدعوني لها منذ فترة قصيرة، فأنا جامعية اعمل في مجال مهني له طبيعة عملية وقد نشأت في أسرة من أسر الطبقة المتوسطة التي تجعل من الأبناء هدفها الأول وتوفر لهم مطالب تعليمهم على حساب احتياجات الأبوين، وكنت کبری اخوتى الثلاثة فتخرجنا جميعا في كليات عملية وحققنا لأبي الموظف بإحدى الوزارات وأمي ناظرة المدرسة الابتدائية أملهما في الحياة، وأسعدناهما لقاء ما قدما لنا من حب ورعاية وتضحيات غالية، حتى كان أبي وأمي يذهبان ويعودان من عملهما من اليوم الثالث في الشهر وليس في جيب أحدهما جنيه واحد بعد دفع الإيجار والكهرباء ومصروف الأبناء ونفقات دراستهم وديون البقال والجزار إلخ ورغم ذلك فلقد كان بيتنا دائما من أنظف البيوت ومفتوحا للأهل والأقارب، وكنا نرتدي أجمل الملابس في حدود قدراتنا وكانت «البركة» تعشش على بيتنا فتمضي به مستورا إلى نهاية الشهر والحب يظلله فلم أر أو اسمع في بيتنا كلمة نابية ولم نشعر نحن الأبناء الأربعة في يوم من الأيام بوجود نزاع أو خلاف بين أبي وأمي، حتى تمنيت حين اقتربت من سن الشباب أن أتزوج رجلا طيبا حنونا مثل أبي وأعيش معه في وئام حتى نهاية العمر.
وتخرجت في كليتي وأنا في الحادية والعشرين من عمري وعملت بإحدى الهيئات، وتعاملت مع الزملاء بروح الود والاحترام التي تربيت عليها في أسرتي وخلال شهور من التحاقي بهذه الهيئة اقترب مني زميل بالإدارة جمعنا معا عمل مشترك في أكثر من مشروع ولقي عملنا نجاحا وتشجيعا من رؤسائنا، فأصبحوا يختاروننا معا لإعداد مثل هذه المشروعات ثقة في قدراتنا، وأثمر التعاون المستمر بيننا في العمل ثماره المتوقعة، وصارحني زميلي بإعجابه ورغبته في الارتباط بي ولم أكتم عنه فرحتي وصارحه بأنني قد تمنيته لنفسي منذ تلازمنا في العمل واكتشفت مميزاته وقدراته التي أثارت إعجابي، وكانت المشكلة الوحيدة التي دفعته للتردد في طلب يدي هي ضعف إمكانياته المادية وشكه في أن تقبل أسرتي كما يوحي له بذلك مظهري ووظيفة أبي الكبيرة، وطمأنته من هذه الناحية، وشجعته على لقاء أبي، فجاء إلى بيتنا خجولا مترددا، ورحب به أبي ترحيبا حارا أشعره بالاطمئنان والثقة، وحين جاء موعد الحديث عن الماديات سأل زميلي أبي عن طلبات منه ففوجی بأبي يسأله عما معه من مدخرات ويؤكد له أنه لا يريد أن يرهقه بالاستدانة وإنما يقبل منه ما معه ولو كان بضعة جنيهات، لأن المادة لا تصنع سعادة وإنما يصنعها التفاهم والوئام بين الطرفين.
وتزوجنا خلال عامين تشاركنا خلالهما في إعداد متطلبات الزواج وشقة الزوجية، وسعد أبي وأمي وإخوتي بزواجي وتعاونوا جميعا على تقديم كل ما في طاقتهم لإتمامه، وبدأنا حياتنا الزوجية مستبشرين بكل خير .. وتبادلت مع زوجي الحب والإخلاص، وكشفت لي العشرة المشتركة عن باقی جوانب شخصيته، فوجدته إنسانا طيبا أقرب إلى طبيعة الأطفال ويشعر بخوف غامض من المستقبل ويحتاج إلى صدر حنون يشعره بالثقة في نفسه وفي الحياة، وفسرت ذلك بطفولته التعيسة التي عاشها بين أبوين منفصلين وبالحرمان المادي الذي عانى منه معظم فترات حياته .. وتأكدت من ذلك حين فوجئت بزوجي بعد أيام من الزواج يصارحني بأنه لا يريد الإنجاب قبل خمس أو ست سنوات حتى لا يعوقنا عن تحقيق نجاحنا المهني، ولكي نوفر لأنفسنا وأطفالنا مستوى أفضل للحياة، وحاولت إقناعه بخطأ هذه الفكرة وبحاجتي العاطفية لإنجاب طفل فلم انجح معه فقد كان ينهي المناقشة دائما بأنه لا يريد أطفالا قبل أن يوفر لهم الحياة المناسبة حتى لا يعانوا ما عانى منه في طفولته.
وسلمت لرغبته رغم عدم اقتناعي بها، ورفضت نصيحة أمي بالحمل ووضعه أمام الأمر الواقع احتراما لرغبته وتعففنا عن خداعه، وشجعني على ذلك أنني وزوجي كنا نمضي معا ساعات طويلة كل يوم في العمل، ولا نكاد نفترق بعده، مما أشعرني بامتلاء حياتي وثرائها
ولاحظت بسعادة أن زوجي يزداد اعتمادا علي في كل شئون الحياة حتى ليبدو "تائها" لو اضطررت للسفر لمدة يومين بمناسبة عائلية. وأنه كان إذا عمل في مشروع خاص به في العمل لا يطمئن إلى نتيجة عمله إلا إذا أكدت له سلامته وجودته.
ومضت الحياة بنا في سعادة ونجاح في العمل وتحسنت ظروفنا المالية كثيرا وأكملنا تأثيث شقتنا واشترينا سيارة صغيرة وترقی زوجی فأصبح رئيسا لقسم من أقسام العمل، وأصبحت أنا رئيسا لقسم اصغر بغير أن يتوقف التعاون بيننا، وذكرت زوجي بوعده لي بالإنجاب بعد تحسن الأحوال بعد مضي 5 سنوات على زواجنا فاستمهلني عامين آخرين بالرجاء والتوسلات الحارة، وبعد عامين رجعت للإلحاح عليه بأمنيتي القديمة خاصة وقد قاربت الثلاثين فوافق بلا حماس وحملت فلم يكتمل حملي للأسف وتعرضت لمتاعب صحية انتهت بإجهاضي بعد أربعة شهور، وحزنت لذلك حزنا شديدا أما زوجي فلم يكترث لما حدث ولم يحزن، وحاول إقناعي بعدم تكرار المحاولة تجنبا للمشاكل الصحية لكن حلم الأمومة ظل يراودني بإلحاح، وتنقلت بين الأطباء طلبا للعلاج.. وعرفت منهم أنني أعاني من بعض المشاكل في الإنجاب لكن فرصتی لیست میؤسا منها.. وأنني لو كنت قد بدأت الحمل والعلاج في سن مبكرة لكانت فرصتي أكبر.
وشعرت حين عرفت بذلك ببعض اللوم لزوجي الذي أصر على تأجيل الإنجاب منذ البداية، لكن حبي له لم يتأثر، بل ازددت تعلقا وارتباطا به بعد أن أصبح هو طفلي الوحيد فكررت محاولة الحمل والإجهاض ثلاث مرات وكلها تمت رغم معارضة زوجي، وفي النهاية صارحني بأنه لا يحب الأطفال ولا يريدهم ولا يستطيع تحمل مسئولياتهم وأنه يريدني له وحده كل الوقت، وسلمت بإرادة الله وكففت عن المحاولة بعد تحذير الطبيب لي من خطورتها آخر مرة وتركزت كل آمالي في زوجي وفي عملي وأصبح كل نجاح يحققه في عمله عزاء جديدة لي عن حرماني من الإنجاب، ولم يكف زوجي ابدأ عن تذکیري بأننا لو كنا قد انشغلنا بمتاعب الحمل وتربية الأطفال من البداية لما كان قد حقق ما حققه من نجاح.. ولما حققت أنا ما حققته من تقدم، وكنت أقنع نفسي بما يقول حتى لا أزيد من حرماني.. وتسلیت عن ذلك بعملي ومتابعة عمل زوجي ومساعدته فيه وبأطفال أختي الصغرى وأخي الأوسط، وكان يسعدني كثيرا أن المس ما يناله زوجي من احترام في مجال عملنا حيث يشهد له الجميع بالنبوغ والابتكار ويشيدون بقدراتي واجتهادي.
وكان لزوجي قريب شاب من الفرع الثري في أسرته في حين كان زوجي من الفرع الفقير فيها، فجاء إلي هذا القريب ورجاني أن أوصي زوجي بزوجته الشابة التي عينت حديثا في إدارته لكي يمنحها بعض خبرته في مجال عمله ويرسخ أقدامها في المهنة .. وكنت أحترم هذا القريب لما سمعته من زوجي من أنه أحب زوجته وهو طالب معها في الجامعة، وكانت من أسرة مكافحة للغاية فاقنع بها والديه بعد عناء كبير وتزوجها وتكفل بكل نفقات الزواج وحده ونقلها من حياة شديدة التقشف إلى حياة مريحة وأحبها بإخلاص ولم يشعرها ذات يوم بأنه أفضل منها في شيء رغم الفارق الاجتماعي الكبير بينهما.
فحدثت زوجي بشأنها فلم يتحمس لمساعدتها وقال لي عنها أنها فتاة انتهازية كانت مخطوبة لشاب مكافح مثلها وساعدها كثيرا ماديا في دراستها، ثم رأت في قريبه فرصة أفضل لحياة أرقى فتخلت عن خطيبها الذي ارتبطت به ثلاث سنوات بمجرد أن شعرت بتمكنها من قلب قريبه الشاب ولم تتردد ولم تضعف أمام توسلات خطيبها السابق، بل انقلبت عليه تحاربه وتستثير ضده أهلها حتى ارتد عنها يائسا وكافرا بالحب والإخلاص.
ووجمت لما سمعت منه لكني رجوته أن يجامل قريبه بمساعدتها في أضيق الحدود .. وجاءني قريب زوجی ومع زوجته يشكراني فترددت بين الترحيب بها والنفور منها لما سمعت عنها، لكني لاحظت أن ما قاله زوجي عنها صحيح إلى حد كبير فقريبه هو المتيم بها أما هي فجامدة المشاعر ومسيطرة عليه بشكل واضح ورغم تحفظي معها فلقد راحت تطاردني في الإدارة التي أعمل بها وتجاملني في المناسبات وفهمت أنها تحاول التعبير عن وفائها لي لأن زوجي قد قام بتدريبها فعاملتها بأدب وتحفظ في نفس الوقت، ومضى عامان اشتريت خلالهما سيارة صغيرة لتنقلاتي، ثم فوجئت ذات صباح بقريب زوجي يدخل علي مكتبي وهو منهار ومهوش الشعر وعيناه محمرتان، ويروي لي فيما يشبه الهذيان أن زوجته المحبوبة قد هجرت البيت وتركت له طفله الوحيد وتطلب الطلاق بإصرار، وتعجبت لما قال وتألمت لحاله وسألته عن سبب هذه الكارثة فسألني مذهولا: ألا تعرفين حقا؟ فأكدت له عدم معرفتي بالسبب فإذا به يقول لي أن زوجته قد استولت على عقل زوجي وأنه يعتزم أن يطلقني ويتزوجها بعد طلاقها منه!
ومادت بي الأرض وهو يتحدث معي حتى خيل إلي أنني أراه أكثر من شخص واحد أمامي، ورفضت تصدیقه بل ونهرته صارخة وتركته في مكتبي وهرولت إلى المبنى القريب الذي تقع في إدارة زوجي ودخلت عليه مكتبه فإذا بي أجدها جالسة أمامه تضع ساقا فوق ساق والسيجارة في يدها والابتسامة العريضة تغطي وجهها، وارتعب زوجي حين رآني وأصفر وجه أما هي فقد ظلت محتفظة بهدوئها وثباتها ونهضت بتثاقل وقالت: عن إذنكم، ثم خرجت بخطوات بطيئة كأن الأمر لا يعنيها في شيء!
وقبل أن أنطق بكلمة واحدة سمعت زوجي يقول لي بصوت مرتجف: أرجوك.. لا داعي للمشاكل في العمل.. ولنخرج معا لنتحدث في الخارج .. وخرج معي وركب سيارته التي اشتركنا في ثمنها في سنوات البداية وسألته عما سمعته فإذا به يقول لي وكأنه مغلوب على أمره كأنه شیء لا حيلة له فيه "هذا أمر الله.. ولا يد لي فيه!".
سالت دموعي كالمطر وسألته هل قصرت في حقه في شيء.. هل شكا شيئا مني .. هل أسأت عشرته أو معاملته فكان يجيب عن كل سؤال بالنفي وهو منكس الرأس .. إلى أن سألته هل ينقصه شيء معي؟ فإذا به يجيبني بلا حياء: نعم .. الأطفال!
يا ربي! الأطفال؟ الأطفال الذين قلت أنك تكرههم ولا تتحمل مسئوليتهم وأخرت حملي بهم سبع سنوات حتى ضعفت فرصتي في الإنجاب؟ سألته عن كل ذلك فلم يجب سوى بالصمت.. وتوسلت إليه ألا يحطم حیاتي وقلبي بعد أن بلغت الثامنة والثلاثين وسهرت ليالي طويلة أناقشه وأحاوره بصبر غریب وأذكره بحبنا وكفاحنا وذكرياتنا المشتركة، وأشركت أسرتي معي في مصيبتي ولأول مرة فتهرب من لقاء أبي .. ووسطت لديه أصدقاءنا ورئيسنا في العمل وهو رجل طيب وعطوف بلا أية نتيجة، ولامني شقيقي وشقيقتي على ما تدهورت إليه من استجداء لزوجي لكيلا يتخلى عني وعرضت عليه حين يئست منه أن يتزوجها وينجب منها بشرط ألا يطلقني مع ما في ذلك من قسوة شديدة على نفسي، لكنه رفض حتى هذا العرض مني، وكان مبرره للرفض أنها لا تقبل به؟
وكان قد هجر البيت ونقل ملابسه ومتعلقاته بعد بداية الأزمة بأيام فسلمت أمري لله وتم الطلاق بيننا وتنازلت له عن كل حقوقي مقابل أن يتنازل لي عن الشقة التي تشاركنا في دفع خلوها وحصلت على أجازة من عملي لمدة شهر وسافرت إلى الإسكندرية حيث تزوجت شقيقتي الصغرى وأمضيت أيام الأجازة لا أكاد أغادر الفراش، وعدت للقاهرة فطلب مني أبي العودة للإقامة في بيت الأسرة لكني رجوته باكية أن يسمح لي بالاستمرار في شقتي التي عشت فيها ۱۳ عاما حتى لا يتضاعف إحساسي بالفشل والمرارة، وبعد فترة من السقم والمرض رجعت للإقبال على عملي وكان قريب زوجي قد طلق زوجته منذ شهور وتعامل معها بكرم كما كان في البداية وأعطاها كل حقوقها، فتزوجت من زوجي السابق وحملت وراحت تتفاخر بحملها وتشكو من متاعبه أمام زميلات العمل لينقلن لي حديثها.. فكنت أحس كلما سمعت شيئا من ذلك أن سيخا من الحديد المحمي في النار يخترق صدري، وراح زوجي السابق سامحه الله يفعل معها ما كان يفعله معي فلازمها في العمل والبيت وفي كل مكان.. ويشركها معه فيما يقوم به من أعمال خاصة وأدر عليها المال، وهي تتوجع من آلام الحمل وتشتري المصوغات الذهبية وتستعرضها أمام الزملاء حتى وضعت مولودها، وفي وسط هذه الآلام فوجئت بزوجها السابق يحاول الاقتراب مني ثم يعرض علي الزواج بإلحاح !
ولست أنكر أنني فكرت في الأمر لعدة أيام .. ربما بدافع الرغبة في الانتقام لكرامتي المجروحة.. وربما بدافع الرغبة في الانتقام من زوجته الغادرة حين يكون طفلها الذي تخلت عنه في رعايتي لكني بعد أن هدأت انفعالاتی بعض الشيء اعتذرت له عن عدم رغبتي في الزواج لمجرد رد الطعنة أو إيلام من عذبوني وحطموا حياتي سامحهم الله ، فهو رغم احترامي له وتقديري لشخصه يصغرني بسبع سنوات، لكنه لم ييأس وقابل أبي وشقيقي وحدثاني في أمره ثم انتهيا إلى موافقتي في قراري بعد معارضتهما.
وانطويت على نفسي في مسكني ورحت أؤدي عملي وازور أبي وأمي وشقيقاتي، ومن حين لآخر اسمع عن زوجي السابق أخبارا غير طيبة، فلقد أغلقت في وجهه بيوت جميع أصدقائنا المشتركين الذين كنا نزورهم ويزوروننا والذين استاءوا مما فعل وتعاطفوا معي .. وفقد كثيرا من احترامه السابق لدى رؤسائنا في العمل حتى عدلوا عن ترشيحه لمنصب إشراف كان هو المرشح الطبيعي لشغله، واختاروا له زميلا احدث منه في الخبرة، وكان تفسير رؤسائنا لذلك أنه لم يعد نفس الشخص الذي كان جادا وملتزما في عمله، فلقد قل تركيزه في العمل وكثرت أجازته ومالت موازينه فأصبح يحشر زوجته في كل لجنة وكل مشروع له مكافآت خارجية بلا خجل، حتى أصبحت "الست" هي الرئيسة الفعلية للإدارة التي يرأسها وتشمخ بأنفها على مرءوسيه وكلما حدث شيء من ذلك دعاني رئيسنا الذي حاول التوسط بيني وبينه خلال الأزمة ورواه لي متعجبا مما تدهورت إليه أحوال زوجي السابق الذي أصبح على حد تعبيره زوج الهانم المسلوب الإرادة والكرامة معها.. فلا اعلق بشيء سوى بكلمات الأسف، ثم يسألني رئیسي : لماذا لا تتزوجين وأنت مازلت شابة وجميلة؟.. فأجيب بأنني لن أفكر في الزواج حتى أبرا من كل جراحي وواصلت حياتي ومن حين لأخر يتقدم لي عريس عن طريق الأهل أو الزملاء فلا أجد في نفسي الرغبة في الزواج.
ووفقني الله في عملي فحققت فيه نجاحا كبيرا ورشحتني الهيئة للسفر في منحة تدريبية بالخارج لمدة ثلاثة شهور، فسافرت وشاهدت دنيا جديدة ومختلفة ، ورجعت إلى عملي بروح جديدة وأكرمني الله أكثر وأكثر فإذا بالهيئة ترشحني لنفس المنصب الأشرافي الذي كان زوجی مرشحا له من البداية بعد ترقية شاغله، فوجدت نفسي رئيسة لزوجي السابق وزوجته وتحرجت من ذلك لكن زوجي السابق قدم لي الحل من حيث لا ادري .. فقد طلب نقله هو وزوجته من هذا القطاع كله، ونقلا إلى قطاع أخر وسألت نفسي هل مازلت أحمل له في قلبي بقايا الحرارة القديمة .. فوجدتني أجيب عن تساؤلي بالنفي فلقد عوضني ربي عن غدره بی بالكثير والكثير فترقيت في عملي وأحاطني الزملاء والرؤساء بحبهم واحترامهم لعملي وجديتی فيه ، وانا محبوبة والحمد لله من أسرتي وإخوتي وأقاربي ومن الأصدقاء القدامى الذين حافظوا على وفائهم لي .. في حين انطفأ بريق زوجي السابق وخبا اسمه في العمل بعد أن كان مرشحا لأعلى المناصب ، أما زوجته فقد أصيبت أطماعها بنكسة شديدة بعد تعثر أحوال زوجها وفقده لكثير من موارده الخارجية .. وسمعت عن كثير من المشاكل جرت بينه وبينها لأسباب مادية فضلا عن أنه لم يعد له أصدقاء سوى أصدقاء زوجته وكلهم يصغرونه بعشر سنوات على الأقل.
وتسألني بعد كل ذلك لماذا أكتب لك بعد ثماني سنوات من رغبتي الأولى فأقول لك أنني أردت أن أستشيرك في أمري وأنا في قمة الأزمة قبل طلاق زوجي لي ، وأما في المرة الثانية فلقد كتبت لك لأقول أن "جوائز السماء" التي تعد بها الصابرين والمهمومين قد هطلت علي والحمد لله .. ومنذ أيام فاتحني رئيسي السابق الذي توسط بيني وبين زوجي للمرة الرابعة في الزواج مني بعد أن نقل إلى وظيفة مرموقة خارج الهيئة .. ألح علي في قبوله مؤكدا لي أنه يحمل لي حبا واحتراما قديمين ، وأمهلني ثلاثة أسابيع لأعطيه ردي النهائي لأنه مرشح لوظيفة في هيئة دولية سيسافر إليها خلال شهور .. كما أنه أرمل منذ ست سنوات وله ولد وحيد في سن الشباب ، وعلى وشك الزواج ، وقد زارني هذا الشاب وحده ليتعرف علي ويرجوني الانضمام لأسرته ، فانفتح قلبي له منذ رأيته .
وسألت نفسي .. ماذا يمنعني حقا من أن أكون أما لهذا الشاب المهذب الخجول ، وأساعده في شئون زواجه وأشير عليه بما يفعله في شئون الحياة والزواج ؟ .. إنني احترم أباه كثيرا وأستريح لشخصه العطوف واحمل له في قلبي تقديرا كبيرا واشعر أنني على استعداد لأن أحبه في أية لحظة، وهو رجل جاد وفاضل فماذا يمنعني من الارتباط به وبابنه ؟
لقد وعدته بالرد عليه في نهاية المهلة فإذا بزوجي السابق يظهر فجأة في مكتبي من تحت الأرض ويبكي ويطلب مني الصفح والمغفرة ويقسم إلي أنه لم يسعد بيوم واحد من أيام حياته مع «الأخرى » وأنه مازال يحبني كما كان قبل هذه الغمة ، ويريد أن يرجع كل شيء لأصله ونعيش معا كما كنا ويطلق زوجته المتسلطة ويرد لي اعتباري أمام الجميع !.. فسخرت من رغبته وافهمته استحالة أن تمحو الأيام من قلبي مرارة ما فعله بي، لكنه لم ييأس مني وراح يطاردني في كل مكان ويتصل بي ويقسم لي بالدموع آن الحب كفيل بإزالة كل المرارات وأننا نستطيع أن ننهل من نبع الحب القديم كما كنا نفعل في حياتنا السابقة، ويطالبني فقط بالنسيان وستزول كل الآلام في لحظات.
إن قراری شبه واضح في ذهني لكني أريد أن أتأكد من صحته منك لثقتي في سداد رأيك كما أريد أن أسألك أيضا هل يمكن حقا أن تكون لي مع زوجي السابق حياة سعيدة غارقة في نبع الحب القديم و بلا أية مرارات كما يقول لي ؟
وهل يمكن حقا أن انسی له ما فعل بي وارجع إلى التعامل معه بنفس الصفاء القديم الذي كان بيننا؟ أم أنها مجرد مغالطات جديدة من مغالطاته يريد أن يبرر بها رغبته في العودة إلي بعد أن تفاقمت الخلافات بينه وبين زوجته وأصبحت مشاكلهما شائعة في بيوت الأصدقاء، ومنها اتهامها له بكراهية ابنهما وعدم الاهتمام به ؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
قرارك شبه الواضح في ذهنك هو القرار الصائب الوحيد في مثل ظروفك هذه .. إذ أن حتى لو كان زوجك السابق صادقا في ندمه على زواجه من الأخرى ، فهذا شأنه الذي ينبغي أن يتحمل تبعاته وحده ويتعامل معه بعيدا عنك وعن حياتك بما يلائمه من قرارات واختبارات وليروض زوجته على ما يشاء ويرغب أو فليتحمل حياته معها من أجل الطفل الذي برر به غدره بك وتشكو الآن زوجته من كراهيته له وأكاد أصدقها في ذلك لأن الطفل الكبير، قد يضيق بالطفل الصغير إذا زاحمه في شيء أو اضطره للتضحية من أجله ببعض رغباته.
وزوجك السابق طفل كبير حقا یا سیدتي .. وقد كنت أنت الأم والزوجة والصديقة له حتى نصبت الأخرى شباكها حوله طموحا إلى حياة ارقی تماما كما فعلت مع زوجها السابق الذي تعلقت به لينقذها من ظروفها الاجتماعية المتدنية وتخلت من أجل ذلك عن خطيبها الأول بلا رحمة.
إن بعض الناس كما يقول لنا شكسبير العظيم في مسرحيته «يوليوس قيصر» يطأون درجات السلم لكي ترفعهم إلى أعلى فما أن يصلوا إلى غايتهم حتى يشعروا بازدراء للدرج الذي رفعهم إليها، وهذه السيدة من ذلك النوع من البشر فيما يبدو، وقد أصيب طموحها الاجتماعي والمادي بطعنة مؤثرة حين تدهورت أحوال زوجك السابق وتأخر أو توقف صعوده إلى الدرجات العلا، فانتابها ما ينتاب أمثالها من ضيق مفاجئ بالسلم الخائب العاجز عن بلوغ الغاية .. وأيا كان شأنه معها أو شأنها معه فهذا أمر يخصهما وحدهما لا شأن لك به، وما يطلبه منك زوجك السابق ليس حلا لمشكلة حياتك وآلامها وإنما هو حل لمشكلة حياته التي صنعها لنفسه بضعفه أمام سحر تلك المرأة وانقياده لها وخيانته لعهد الوفاء فلا تنخدعي بما يحاول إيهامك به من أن «الحب» وحده كفيل بمحو المرارات و إزالة البقع شديدة السواد من الثوب الأبيض، أو من أنك سوف تنهلين معه من نبع الحب القديم وتعيشان معا مرة أخرى في سلام ووئام .. فهذا النبع قد جف ماؤه منذ زمن طويل ولم تبق به سوی حصى الغدر والآلام، ولو كانت به بقية من مائه العذب لما استشرتني في أمرك من البداية ولضعفت أمام دموع من لم يرحم دمعك وضعفك وتذللك إليه من قبل، كما أنك لم تعودي نفس الإنسانة التي كانت حين كان ماء النبع جاريا نقيا، ولا هو أيضا نفس الرجل الذي كان، فالإنسان يتغير ويتغير مزاجه النفسي من مرحلة إلى مرحلة من العمر، وإذا كان قد أتيح للإنسان أن يبدأ حياة جديدة بعد مرحلة من العناء والآلام، فلماذا يبدأها بمجاهدة النفس لنسيان الذكريات المؤلمة وهو أمر غير مؤكد النجاح، وفي مقدوره أن يبدأ صفحة أخرى خالية من كل الشوائب والأدران؟
يا سيدتي إن الثوب الجديد ناصع البياض أكثر نقاء ووعدا بالصفاء من الثوب الملوث الذي سنجاهد جهاد الأبطال لإزالة آثار الأدران القديمة منه وقد ننجح في ذلك وقد لا ننجح، وفي مثل ظروفك فلأن نبدأ بناء بيت جديد لم تخالطه المرارة والأحقاد أيسر وأكثر ضمانا للنجاح والاستمرار من أن نحاول تجدید بیت متهالك نخر سوس الغدر والخيانة في وعائه.
كما أنني في مثل ظروفك هذه من أنصار مذهب فيلسوف الصين العظيم كونفوشيوس الذي يقول: قابل الرحمة بالرحمة وقابل القسوة بالعدل؟
والعدل في قصتك هو ألا تتحملي تبعات جناية زوجك عليك مرتين مرة حين انقاد وراء مشاعره وأهوائه، ومرة أخرى حين تكشفت له تجربته معها عن التعاسة والشقاء .. فالشرفاء يتحملون تبعات أفعالهم ولا يطالبون الضحايا بمشاركتهم نتائجها وتقديم المزيد من التضحيات لهم، والقرار الحكيم الذي ينبغي لك أن تتخذيه هو قبول الارتباط بذلك الرجل الفاضل الأمين الذي تشعرين باستعدادك للتجاوب العاطفي معه في أية لحظة والذي تعدك الحياة معه بالأمان والاستقرار والعطاء النفسي والتعويض المناسب لأمومتك المحرومة بلا مرارات سابقة أو لاحقة وبلا مخاوف من تقلب المشاعر أو ذيول المشاكل التي ستطارد زوجك السابق من جانب زوجته إذا ما تزوجتما مرة أخرى، كما أنها ليست خصما يستهان به، وإنما هي مدربة على السيطرة والاستحواذ على من تشاء لتحقيق رغباتها، وليس مستبعدا أن تستعيد تأثيرها على زوجك السابق في أية لحظة ولو لمجرد رفضها الهزيمة أمامك.. فلماذا المخاطرة وفي مقدورنا أن ننال السعادة والأمان؟.. لقد خرج زوجك من قلبك ومن حياتك إلى الأبد، لكنك وقد يكون لديك بعض العذر في ذلك تستشعرين فقط بعض الرضا عن النفس ولا أقول الشماتة حين ترين ثأرك فيمن ظلمك وتجبر عليك ماثلا أمامك في ضعفه وهوانه وتذلله إليك للعودة للحياة معه، وربما راودتك ولو للحظات خاطرة أن تقبلي عرضه لمجرد أن تثأري لنفسك من الأخرى التي دمرت حياتك بلا رحمة وتشعري بنشوة الانتصار عليها بعد مرارة الهزيمة.. لكن الإنسان لا يستطيع أن يدع لرغبته في الانتقام أن تحدد له مسار حياته وخطواته فيها على حساب سعادته وسلامه النفسي.. فنشوة الثار لحظة أو لحظات.. أما الزواج فحياة متصلة لا تنجح ولا تدوم لمثل هذا الدافع السلبي وحده.
ولا بأس بأن نستسلم لبعض هذه المشاعر السلبية للحظات تجاه من بادرونا بالإيلام والإيذاء بلا ذنب جنيناه لأننا في النهاية بشر ولسنا ملائكة محلقة في السماء ولكن بشرط ألا تتعدى هذه المشاعر حدود الخواطر العابرة إذا عجزنا عن الترفع عنها..
وربما كان من الأفضل أن نتسامى بها عن الشماتة في الآخرين إلى شكر العادل الذي لا تميل موازينه الذي يجزي الصابرين بصبرهم ويجزى المعتدين بعدوانهم سبحانه.. وأي جزاء يا سيدتي وأي جوائز وأي تعويض أكثر مما منحتك عدالة السماء خلال تلك السنوات العجاف؟
لقد واصلت صعودك في عملك حتى نلت فيه من النجاح ما لم تكوني تحلمين بمثله، وربما لم يكن مؤكدا أن تصلي إليه لو لم تعترض حياتك هذه المحنة المؤلمة التي أطلقت شرارة أبداعك في عملك..
كما انك تحظين بحب الجميع واحترامهم في حين خبا نجم ظالمك واهتزت صورته في أعين الآخرين.. وما ربك بظلام للعبيد ، صدق الله العظيم.
لقد تعففت من قبل عن أن تستسلمي للرغبة في الانتقام من ظالميك ولم تدعي لها تحديد مسار حياتك حين رفضت الارتباط بزوج الأخرى السابق لأنه لم يكن يصلح لك، بنفس هذه الحكمة والاحترام للنفس سوف تتعاملين مع نفس هذه الرغبة وترفضين عرض زوجك السابق.. وتبدأین حياة جديدة واعدة بالخير والأمان مع الزوج العطوف الذي ينتظرك ومع الابن الشاب الذي يحتاج لمشورتك وعطفك وهو يبدأ أولى خطواته على طريق الحياة بإذن الله.
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر