الألم المصهور .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988
أنا يا سيدي رجل نشأت في أسرة بسيطة شريفة، وأمضيت فترة صباي وشبابي أكافح لتعليم نفسي.. وأتحمل عناء السفر كل يوم من قريتي الصغيرة إلى المدرسة في المدينة، ثم التحقت بالجامعة في العاصمة، وتخرجت بغیر أن تكون لي أية علاقة عاطفية مع أية فتاة، لأني آمنت دائما بأنني لا يجوز أن أتعلق إلا بمن سوف أرتبط بها، وبدأت حياتي العملية بعد التخرج فتم تعييني في إحدى المدن الصغيرة، وبدأت أرد لأهلي بعض ما تحملوه من عناء من أجل تعليمي لكي يستطيعوا أن يواصلوا أداء الرسالة مع إخوتي.
وبعد أعوام من تخرجي تزوجت من إحدى قريباتي القاهريات، وعشت معها أجمل أيام حياتي، وأنجبنا طفلتين، ثم جاءتني الفرصة للعمل في الخارج فلم أتردد في قبولها لأرفع مستوى أسرتي الصغيرة، وأسرتي الكبيرة صاحبة الفضل علي، وسافرنا معا وعشنا عدة أعوام سعيدة في الخارج، لم أتوقف خلالها عن مساعدة أسرتي، ثم عدنا .. فاستقلت من وظيفتي ووفقني الله إلى مشروع تجاري صغير حقق نجاحا طيبا، فاستقرت حياتنا وألحقت الطفلتين بمدرسة راقية، واشتريت لزوجتي سيارة إلى جانب سيارتي، وبذلت كل جهدي لتوفير الحياة الكريمة لأسرتي، ولم ألاحظ خلال انشغالي بذلك أن زوجتي قد خلعت الحجاب بحجة أنه يسبب لها حساسية جلدية في رأسها، أو أنها اندمجت في الحياة القاهرية فأصبحت لها صديقات كثيرات تتحدث إليهن كل يوم بالساعات في التليفون، ومضت الحياة عادية لا تخلو من بعض الخلافات الصغيرة، التي كنا نحتكم فيها للأم فتؤيدني في موقفي دائما وتعود الحياة إلى مجراها الطبيعي.
ورغم كثرة مشاغلي فلقد كنت حريصا دائما على أن أقضي فترة الظهيرة مع زوجتي وبنتي، ثم أخرج إلى عملي وأعود قبیل العاشرة لأطمئن عليهن جميعا ونتسامر قليلا ثم يأوي كل منا إلى فراشه، فأنا لا أسهر ولا أدخن ولا أتعاطى أية مكيفات، وليس في حياتي سوى أسرتي الصغيرة وعملي .. لذلك فقد سعدت بأسرتي الصغيرة للغاية لكني من فرط سعادتي كنت أحس دائما إحساسا غريبا بأنها قد لا تدوم ولا أعرف لماذا.
وفي غمار هذه السعادة فوجئت ذات يوم بأعز صديقات زوجتي، وهي سيدة فاضلة تزورني في مكتبي مع زوجها الرجل الوقور، فتصورت أنهما في حاجة إلى خدمة معينة أستطيع أن أؤديها لهما بحكم عملي. لكني فوجئت بهما منحرجين وحائرين لا يعرفان كيف يبدآن الحديث، ثم بعد شيء من التردد تكلمت الصديقة وصوتها يرتجف فإذا بها تطلب مني باسم زوجتي وباسم بنتي اللتين تناولت معهما الغداء منذ ساعتين في جو عائلي سعيد.. "الطلاق" فبدا لي أني لم أسمع جيدا، لكنها واصلت الحديث وشاركها فيه زوجها.. فهممت بأن أتكلم فأحسست بأن لساني ملتصق بسقف حلقي ولا يتحرك، وقد أحمر وجهي حتى أحسست بالنار في أذني ولا أعرف ماذا قلت، لكن زوج الصديقة تحدث وعيناه منخفضتان، وطلب مني التفكير في الأمر آسفا للظروف التي وضعتهما في هذا الموقف، فوعدتهما بأني سأتفاهم مع زوجتي على كل شيء، وتركاني وأنا في أسوأ حال.
وفي الليل عدت لبيتي فوجدتها نائمة، وفي صباح اليوم التالي لم أستطع أن أحييها تحية الصباح فبدأتني هي بالتحية، وكأن شيئا لم يكن. وبعد قليل تكلمنا فأكدت لي ما قالته لي صديقتها.. واتفقنا مبدئيا على أن نكتم الأمر عن أهلي وأهلها، إلى أن يستقر الوضع، لكني رأيتها تتصرف بنفسية المسافر بعد قليل، فهي تجمع التحف والأنتيكات وتضعها في الحقائب، وتغلف الأجهزة المنزلية والكماليات كأننا سنهاجر.
وخرجت إلى مكتبي وقدت سيارتي وأنا لا أرى الطريق أمامي، ولم أعد يومها إلى البيت في فترة الغداء، لكني ذهبت لزيارة صديق قدیم ورويت له القصة كلها واستشرته في أمري، فنصحني بعدم الاستجابة لرغبتها لكيلا تتشتت بيننا الطفلتان.
وبعد تفكير عميق قررت أن أعمل بنصيحته، لكني عزمت على أن أجاریها لكي أعرف سر هذا التحول المؤلم.. ودفعني الفضول والشك لأن أستمع إلى حديثها في التليفون مع صديقتها.. فإذا بي أكتشف أنها سوف تتزوج قريبا لها بعد الطلاق. وسمعتها تشرح ترتیباتها، وكيف أنها سوف تترك لي الشقة خالية والطفلتين في رعاية الشغالة، وأنها ستزورهما مرة كل أسبوع. إلخ.. كل هذا وأنا على قيد الحياة ومازالت زوجتي وفي عصمتي، ترى هل جرب أحد من قرائك أن يكتشف فجأة أنه لا مكان له في أحلام زوجته عن المستقبل، وهل ذاق مرارة هذه اللحظة.. لقد تجرعتها يا سيدي وأنا واقف أستمع حديثها عن أحلامها التي تريد أن تبنيها على أنقاض حياتي وأسرتي وطفلتي، فعرفت أن في الدنيا آلاما أقسى من آلام المرض وطعنات السكاكين، فانفجرت فيها وواجهتها بما سمعت فلم تنكر ، بل وتنمرت بشدة وطلبت الطلاق فقررت ألا أطلقها وقلت لها إنها قد انتهت من حياتي كزوجة، وأن عليها أن تبقى في البيت لرعاية طفلتيها حتى تتخرجا، ثم تفعل بحياتها بعد ذلك ما تشاء.
وثرت لكرامتي ورجولتي فسحبت منها السيارة، وتجنبتها كزوجة وكتمت أحزاني في قلبي، فلم أبح بها لأحد وعشت حياتي في الظاهر رجلا ناجحا مرموقا کریما. وفي الواقع رجلا منهارا محطما مجروحا، أتساءل: وماذا فعلت لكي أتلقى هذه الطعنة في كرامتي وقلبي ورجولتي ؟ ومرت الشهور والأيام كئيبة بطيئة تتخللها بعض المناوشات والمناورات، وتعرضت لخسائر كثيرة في عملي بسبب شرودي، واضطراب ذهني، لكني تذكرت أيام الفقر والجوع ومستقبل طفلتي، فتحاملت على نفسي وأفرغت همي في العمل، فاستعدت بعض توازني وعاهدتني هي على أن تحفظ کرامتي وكرامة الأسرة، فتحملت منها الكثير حتى يكبر الأبناء، ثم يحكم الله بيننا.
ومرت على هذه الحال ثلاثة أعوام، ثم شاءت المصادفة أن أصحو في الليل منذ فترة قصيرة فإذا بي أسمعها تتحدث في التليفون عن نفس المشروع القديم، وعرفت أشياء وأشياء، فأحضرت أمها وصديقتها الوحيدة، وواجهتها أمامهما، إذا بها بكل وقاحة تطلب الطلاق مرة أخرى، وتحدد شروطها وهي أن أترك لها السيارة والشغالة وأرسل إليها مصروف البنتين، فكدت أفتك بها أمام أمها وصديقتها التي انهارت حين سمعت ما سمعت منها، وقالت لها أمامي إن زوجك عشرة على عشرة وأنت مفترية ولا تستحقين أن تعيشي معه يوما واحدا.
فما كان منها إلا أن حاولت الانتحار، وانهارت ونقلت إلى المستشفى وأقسمت بأغلظ الأيمان إن ما حدث لم يتجاوز الحديث.
وخرجت من المستشفى بعد ساعات وعادت إلى البيت، وأنا الآن يا سيدي أعيش أتعس أيام حياتي، فأنا لا أستطيع أن أنظر إلى وجهها، ولا أستطيع أيضا البعد عن طفلتي، وأخاف عليهما وقد قتلني الشك بسهامه فسحبت السيارة مرة أخرى، ورفعت حرارة التليفون، وعاودني الشرود القديم، فبدأت أنسى في عملي وأهمل قراءاتي ومشروعاتي، ورحت أسير بالساعات هائما في الشوارع لا أعرف ماذا أفعل؟ ولا كيف أتصرف؟ وأسأل نفسي: ولماذا أعيش ولماذا أعمل وأكسب ولمن ؟ وبنتاي تنظران إلي بدهشة وتتساءلان عما جرى لي وقد تحول ليلي إلى سهاد، ونومي إلى أحلام مفزعة، وصحوي إلى عذاب. والصداع يلازمني في كل حين وبدأت أتمنى الموت.
إن أمها تطالبني بأن أصفح عنها مرة أخرى لكني لا أعرف كيف.. فماذا أفعل يا سيدي .. هل لديك كلمة تواسيني بها؟ وهل تنصحني بالزواج؟ وهل لو تزوجت سوف تحل المشكلة؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
ولماذا يا سيدي كل هذا العذاب الذي يتضاءل إلى جانبه عذاب بروميثيوس حين حكمت عليه الآلهة في الأسطورة الإغريقية بأن يشد وثاقه إلى صخرة فوق الجبل، ثم يأتي النسر الجارح وينهش قطعة من لحمه في النهار فتنمو مكانها قطعة أخرى في الليل لينهشها النسر من جديد في الصباح التالي ! إن استمرار معانائك دون أن تتخذ قرارا حاسما بشأن حياتك معها لا يعني سوى أن ينهش الألم من جسمك كل يوم قطعة جديدة. فلماذا لا تحزم أمرك وتستريح ولست أول المعذبين في الأرض ولن تكون بكل أسف آخرهم.
إن بعض السيدات وهن قلة والحمد لله، يرین خطأ وجهالة أنهن إذا طلبن الطلاق لهذا السبب بالذات ورفض الزوج، فإنه يصبح من حقهن أن ينتقمن منه بطعنه في كرامته، غير مدركات أنهن بذلك إنما يطعن أنفسهن أولا وأبناءهن ثانيا ثم أزواجهن في النهاية، لأن مفهوم الشرف مرتبط بواجبات الإنسان تجاه نفسه أولا قبل أن يرتبط بحقوق غيره عليه، ولأن من لا تريد الحياة مع زوجها تستطيع أن تتمسك برغبتها في الطلاق، إلى أن تناله بلا غدر ولا طعنات، وأنت يا سيدي قد جربت الصفح مرة، فلم يثمر وأثبتت لك التجربة المريرة أنها مازالت سادرة في إطاعة هوى نفسها، فارحم نفسك إذن من هذا العذاب وليرع الله طفلتيك مادام واجبها الإنساني تجاههما لم يردعها عن غيها.
إنني أتفق معك تماما في أنه لا شيء في الدنيا يعدل سعادة الإنسان في حياته الخاصة، وفي أنه لا مال ولا جاه ولا نجاح يستطيع أن يعوضه افتقاده للسعادة والأمان والدفء العاطفي في حياته الخاصة. لكننا يا صديقي لا نختار أقدارنا ولا نملك أن نرغم أحدا على أن يبادلنا مشاعرنا، وإنما نستطيع على الأقل أن ننأى بأنفسنا عمن لم يحفظ لنا عهودنا، وأن نتطلع دائما إلى أن تعوضنا الحياة عن آلامنا بمن يعرف لنا قدرنا ويشاركنا أحلامنا، ويرى فينا أمله ومستقبله، فاستعد توازنك وثقتك بنفسك، فليس عارا لنا أن يغدر بنا البعض، إنما العار هو عار من لم يرع حقوق ربه في علاقته بنا، والحياة في النهاية لا تتوقف عند أحد.. ومياه النهر لا تكف عن الجريان، فإذا كانت سفينة السعادة لم تتوقف في مرفئنا الآن فلا شك أنها تنتظرنا في مرفأ آخر قريب، سوف نهتدي إليه حين بأذن الله لنا بذلك، أما آلامك التي تصهرك الآن فثق أنها لم تذهب سدى.. فلقد عرفت بالألم الكثير والكثير من حقائق الحياة التي لم تعرفها من قبل، وسوف تستفيد بخبرتها الثمينة في أيامك القادمة إذ ماذا يعرف عن الحياة من لم يعرف الألم يا صديقي؟
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1988

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر