الشعاع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986


الشعاع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

الشعاع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

سيدي .. لي مطلب عندك ربما يبدو لك غريبا لكنه بالنسبة لي ليس كذلك.. وقبل أن أقول لك ما هو مطلبي .. سأقدم لك نفسي فأقول لك إنني شاب عمري 27 سنة حاصل على شهادة جامعية وأعمل موظفا بشركة براتب معقول في إحدى المدن القريبة من القاهرة، ولي شقة بها بعض الأثاث، ورغم أني في مقتبل الشباب فلقد عشت تجربة مريرة تركت في نفسي أبلغ الأثر، وكانت هي الدافع وراء رسالتي هذه.

 

 فمنذ سبع سنوات تعرضت لحادث سيارة فقدت على إثره بصري .. وعشت في ظلام دامس لمدة سنة أتنقل من طبيب إلى طبيب والأمل يبدو ضعيفا واهيا، ثم أشار علي البعض باستكمال العلاج في الخارج وقامت أسرتي بعد جهد جهيد بتدبير المبلغ المطلوب بعضه بالاستدانة .. وبعضه ببيع بعض الأشياء الثمينة القليلة التي كانت تملكها، وشددت الرحال إلى لندن لأستقر في أحد مستشفياتها غريبا في بلاد غريبة كفيفا لا أرى إلا الظلام، أعتمد على سمعي في الاتصال بالعالم الخارجي، أمد يدي إلى الأمام لأتحسس طريقي إلى الحمام وطريقي إلى السرير، أعيش مع الأمل يوما ومع اليأس أياما.

 

و آه من ليل الغارق في الظلام، إنه طويل، طویل، لا يفرق الإنسان بينه وبين الصباح إلا حين يسمع دبيب الحياة يسري من حوله، فيعرف أن يوما آخر قد انقضى، ويوما جديدا قد بدأ، وعشت في لندن ثلاثة شهور كانت بالنسبة لي ثلاثين شهرا.

وكانت أقساها هذه الأيام التي أجريت فيها الجراحة، ثم نمت بعدها على السرير مربوطا بالسيور الجلدية لكيلا أتحرك أية حركة بسيطة قد تفسد أثر العملية، وآه يا سيدي مما عانيته من الخوف والرعب، و آه من ثقل اللحظات والدقائق والساعات، ثم جاءت أخيرا اللحظة الموعودة لفك الأربطة عن عيني حيث سيتبين نجاح العملية أو فشلها، ويرفع الطبيب الأربطة في حذر وأنا أتوجس خيفة وهلعا من المستقبل، ثم يسألني ماذا أرى .. فأتردد ثم أقول له لا أرى شيئا.. فلا يتراجع وإنما يقول لي: ألست تری شعاعا ضعيفا من الضوء يخفف من الظلام الذي كنت تراه فأقول له بعد تردد نعم يا سيدي أحس كأن الظلام قد خف سواده قليلا فيقول لي سعيدا: إذن أبشر فهذا الشعاع هو بداية الإبصار .. إن العين تسترد وظيفتها شيئا فشيئا.. وبالفعل يا سيدي فلقد بدأ هذا الشعاع يكبر حتى بدأت بعد فترة أميز الضوء، وفيما يشبه الحلم وجدت نفسي أخرج شيئا فشيئا من دنيا الظلام إلى دنيا النور، ورغم أني لم أكن أميز في البداية بين الأشياء.. لكني بمرور الوقت بدأت أميز حدود الأشياء، وأعود إلى عالم المبصرين، وسبحان من له القدرة على كل شيء، وعدت إلى بلادي متخليا عن عصاي وعن يأسي وخوفي من المستقبل، ومنذ عودتي و استقراري في عملي وفي حياتي خامرني خاطر لم يلبث أن استولى علي تماما و أصبحت مقتنعا به إلى النهاية .. وقد بدأ هذا الخاطر في ذهني وأنا أسير الظلام وحيدا غريبا بعيدا عن أهلي وبلادي في المستشفى في لندن.

 

 إذ نذرت لربي إن هو من علي بالشفاء وبرؤية الحياة والأضواء مرة أخرى ألا أتزوج في مصر.. إلا من كفيفة حرمتها الدنيا من نعمة الإبصار .. لأكون عينيها اللتين تبصر بهما، وأكون شريكها ورفيقها في رحلة الحياة لأني أقدر على فهمها من غيري.. وقد انتميت إلى عالم الظلام حوالي 15 شهرا.

ولا تظن أنها كانت مجرد خاطرة .. طرأت على ذهني وأنا ضعيف وحيد في بلاد غريبة .. فلقد عدت إلى بلادي وأنا مصمم عليها.. وبالفعل تقدمت لخطبة فتاة كفيفة منذ شهور، لكني لم أوفق في التفاهم مع أهلها ربما لأني لم أنجح في أن أعبر لهم عن مشاعري تجاه هذا الأمر، كما أعبر الآن عنه لك في هذه الكلمات.. فلست ممن يحسنون الكلام.. وقد أعبر عن نفسي كتابة أفضل مما أفعل إذا تكلمت.. لذلك أكتب إليك طالبا منك عونك في العثور على شريكة حياتي ممن يبصرن بقلوبهن، وليس لي من شروط بشأنها سوى أن تكون مسلمة وأن تكون في العشرينيات من عمرها.

 وأرجو ألا أكون قد أضفت ثقلا جديدا إلى أثقالك التي تنوء بها. وشكرا لك مقدما.

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

لا يا سيدي بل أسعدتني وخففت عني الكثير، فمما يسعدني بغير شك أن ألتقي ولو على الورق مع إنسان صهره الألم فطهره من شوائبه ورقق من شعوره وأكسبه شفافية وزاده حبا للحياة والبشر كما فعل معك، إن النفس يا صديقي تتطهر بالألم كما يتخلص المعدن النفيس بالنار من شوائبه، فتترسب في قاع الإناء.. ويطفو على سطحه الدر الثمين، وهكذا فعل معك الألم لأنك أصلا من معدن نفيس .. ولو كنت غير ذلك لأكسبك مرارة.. ولتساءلت كما يفعل بعض الممتحنين به. ولماذا أنا وحدي من ادخرت له الحياة كل هذه الآلام؟

فلا يزيدهم التساؤل إلا مرارة وقنوطا.. لكنك يا سيدي قد نجوت من ذلك.. ولم يترك الألم في نفسك إلا الرغبة في إسعاد نفس بشرية تعاني مما عانيت منه وذقت من قبل مرارته.. وهذا هو درس التجربة الأليمة عند محبي الحياة من أصحاب القلوب الكبيرة.

 

لقد زارني ذات يوم رجل ناجح معروف وطلب مني أن أحيل إليه أية حالات أتلقاها لعلاج شلل الأطفال من غير القادرين على نفقات العلاج، فلم أسأله عن سبب اختياره لهذه الحالات بالذات، لكني فهمت على الفور أنه يعيش هذه التجربة الأليمة مع أحد أبنائه ويعرف قسوتها ويريد أن يخفف عن بعض الآباء مرارة الإحساس بالعجز، أمام هذه العذاب الأليم الذي عاناه من قبل.. وكابده وأنت تريد أن تفعل الشيء نفسه في حدود قدراتك.. وسوف أساعدك على تحقيقه بإذن الله إذا زرتني.. أو كتبت إلي عنوانك.

 

لقد فكرت للحظات في أن أقول لك ما اعتدنا نحن الذين يتصدون للرد على رسائل القراء، من أن إحساس الإشفاق ليس أساسا متينا للزواج.. وأنه وحده لا يكفي لضمان السعادة الزوجية أو استمرارها، لكني تراجعت سريعا حين تذكرت أيضا كلمة قديمة للدكتور حسين هيكل في أحد مقالاته.. تقول "إن رضا الضمير هو مفتاح السعادة!" فلم لا يكون الأمر كذلك في مثل حالتك وأنت تقبل على هذه التجربة مدفوعا بدوافع نبيلة.. و راضي الضمير عن نفسك وعنها.. ومن الذي يستطيع أن يضع قوائم إحصائية دقيقة للقواعد التي تثمر زواجا سعيدا وتلك التي لا تؤدي إليه.. والسعادة في النهاية ومهما فعلنا هبة من الله يؤتيها من يشاء، إن النفوس الشفافة الخيرة الشكور للحياة أحق بالسعادة من غيرها.. وأنت قد عانيت في حياتك آلاما حقيقية.. فلم لا تكون سعادتك أيضا سعادة حقيقة ودائمة بإذن الله؟!

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1986

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات