الشمعة المنطفئة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002
أنا
قارئ دائم لبريد الجمعة وكثيرا ما تخيلت نفسي في موقف كاتب أية مشكلة يناقشها
البريد, ولم أتوقع أبدا أن يأتي يوم أرسل لك فيه ملتمسا منك كلمة مواساة لتطفئ
نار همومي أو همسة أمل لتوقد شموع إيماني.
فأنا رجل تجاوزت الستين من عمري تزوجت منذ ما
يزيد على 30 عاما من فتاة طيبة همت بها وهامت بي وقضينا معا سنوات من أجمل أيام
العمر وفي بداية زواجنا عشنا السعادة بكل ما تعني الكلمة لكن هذه السعادة بدأت
تتلاشى شيئا فشيئا بسبب تأخر الإنجاب وكنا في أول الأمر لا نهتم بذلك كثيرا, إلا
أن تأخر الإنجاب طال حتى بلغ 15 عاما أو تزيد, طفنا خلالها أنا وزوجتي على أطباء
مصر وكلهم أكدوا لنا الواحد تلو الآخر أننا سليمان تماما وليس فينا ما يمنع
الإنجاب غير أنها إرادة الله.
ولا
أستطيع أن أصف لك كيف عشنا هذه الفترة العصيبة بين اليأس والرجاء وبين ضغوط الأهل
وضغوط المجتمع فالإنسان أسير مجتمعه ولا يستطيع أن يفلت من قيوده, وقد بلغ بنا
اليأس مبلغا عظيما حتى كنا نجلس أنا وزوجتي ساعات نبكي بكاء مرا عاتبين ـ بكل أسف
ـ على الله أن جعلنا بين أهلنا فرادى بلا أنيس أو سند أو قرة عين حتى أصبحنا هدفا
يسيرا للشامتين وعبرة للمشفقين وبينما نحن بين المد والجزر حيث يرتفع إيماننا إلى
عنان السماء في حالة الرجاء والأمل ثم ينخسف إلى سابع أرض في حالة اليأس والقنوط ـ
بينما نحن كذلك إذا بيوم جميل مشرق تبشرني فيه زوجتي بأنها حامل! ومهما فعلت فلن
أستطيع أن أصف لك مدى فرحتي وسعادتي بهذا القادم الجديد إلى حياتنا وذهبنا إلى
الطبيب الذي أكد لنا الخبر السعيد ومضى الحمل بسلام ولم يكن يعنينا أن يكون ذكرا
أو أنثى فإذا به يأتي ذكرا جميلا تبارك الله في خلقه فسميناه (وحيد) وكان اسما
على مسمى وطرنا به فرحا وامتلأت حياتنا رغدا وسعادة وسعد من أجلنا الأقارب والجيران
والأصدقاء.
وبدأ وحيد يشب عن الطوق ويكبر وتكبر معه آمالنا
وأحلامنا فأصبح طفلا جميلا ثم غلاما مطيعا فمراهقا دمث الخلق رقيق المشاعر محبوبا
من كل من يراه متفوقا في دراسته وله جاذبية متفردة وكنت أراقبه في كل مراحل نموه
وأدعو الله أن يطيل عمري حتى أرى أولاده يلعبون حولي, وفي خضم سعادتي بولدي
الوحيد هذه كان ينتابني هاجس غامض يملأ قلبي رعبا إذ كنت أتخيل أنني قد أموت قبل
أن أفرح به عريسا وأسعد بأحفادي منه وعقدت العزم بيني وبين نفسي على أن يكون يوم
تخرجه هو يوم زفافه حتى أقفز على الأيام وأعيش مع حفيد لي بعض الوقت.
ومضت رحلته في الدراسة بنجاح لفت الأنظار وكان من الأوائل دائما ولم أبخل عليه
بشيء, إذ كانت طلباته بالنسبة لي أوامر وأنهى دراسته الابتدائية ثم الإعدادية
ووصل إلى الصف الثالث الثانوي هذا العام وكنا نودعه كل يوم بالقبلات ونستقبله
بالأحضان وإذا تأخر بعض الوقت طار صوابنا من القلق وننزل إلى الشارع ننتظره على
ناصية الطريق حتى يأتي مبتسما ومداعبا وهو يردد أنه قد أصبح رجلا ويريد عروسا
أيضا, وأضحك على ذلك وأبدي استعدادي لتلبية أول إشارة له في هذا الموضوع وفي أحد
الأيام وبعد أن ودعنا ابننا بالقبلات كالعادة وهو ذاهب إلى مدرسته التي تقع بالقرب
من شريط القطار قالت لي أمه إنها تشعر بانقباض غريب في صدرها فقلت لها ربما كان
ذلك بسبب الربو وذهبنا إلى الطبيب ثم عدنا وما هي إلا ساعات قليلة حتى أتي إلينا
الناعي بخبر ابننا طالب الثانوية العامة! فقد دهمه القطار بعد خروجه من المدرسة
وهو يعبر الطريق.
وأظلمت
الحياة في أعيننا ومرة أخرى فإني مهما استدعيت من ذاكرة الكلمات فلن أستطيع أن
أعبر لك عن مدى حزني وتعاستي إذ يكفي أن تعرف أننا لم نتحمل حتى كلمة المواساة من
المواسين فأما أمه فقد أخذها الصمت بعد أن دعت بدعوى الجاهلية وظلت تردد ليتنا لم
ننجب من الأصل ليتنا لم نره ليتنا بقينا عاقرين ثم طال صمتها وفقدت النطق, أما
أنا فقد كنت أكثر ثباتا نسبيا رغم أنني فقدت الرغبة في الحياة ولم أعد أرى لها أي
معنى, غير أني أحاول الآن أن أقارن بين حالنا بدون إنجاب وحالنا اليوم بعد أن أنجبنا
وربينا ثم فقدنا ابننا في ريعان شبابه, فأجد أن الحال الأول أهون آلاف المرات من
الحال الثاني, ففي الأول كان لدينا الأمل وكنا لا نعرف قيمة ما يفقد على وجه
اليقين أما في الحال الثاني فليس لدينا سوى اليأس وقد عانينا ما فقدناه وعرفنا كم
هو غال وكم كانت الخسارة فادحة.
والآن وبعد مرور أربعة أشهر على هذا الحادث أحاول أن أتأمل حكمة الله في حياتنا
وقد أدركت أن حكمة الله في المنع هي عين حكمته في المنح, فالمنع من الله هو عطاء
أيضا فلو أننا رضينا بقدر الله فينا عندما كنا بلا إنجاب لسعدنا وارتاح بالنا وقد
أدركت بعد فوات الأوان أن عدم الإنجاب كان رحمة من الله لو كنا نعي ذلك, بينما
كان الإنجاب ثم الفقد هولا شديدا لا يتحمله إلا الصابرون وما أقلهم .
فليرض
إذن الذين لو علموا أن العقم نعمة كبرى لشكروا الله عليها غدوا وعشيا. وأرجو منك
أن تتوجه بكلمة إلى زوجتي توقد بها شموع حياتها وإيمانها إذ بالرغم من أنني خرجت
إلى المعاش وأنا مدير لمدرسة ابتدائية إلا أنني فشلت في نزع فتيل الحزن من قلب
زوجتي ـ ربما لأنني مكلوم مثلها وفاقد الشيء لا يعطيه ـ فلعلك تكون أقدر على ذلك
مني بما وعيت من هموم ومشكلات ليس لها عدد.. ومن وعي التاريخ في صدره أضاف
أعمارا إلى عمره كما قال الشاعر, كما أرجو أن يكون فيما رويته عليك عبرة لكل من
يعتبر أن العقم مشكلة تستحق الحزن عليها.
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
والأفضل في مثل هذه الظروف الحزينة هو أن تردد
ما قاله أحد كبار الصوفية في موقف مماثل: الخير أردت ولا يعلم الغيب إلا الله,
ولا بأس بعد ذلك من محاولة النظر إلى المحنة من الزاوية الأخرى, واستبدال إحساس
الندم على أنك قد أنجبت والاقتناع بأن حالك ربما كان أفضل لو كان الحرمان من الإنجاب
قد استمر إلى النهاية, أن تجري مع النفس حوارا هادئا ونحاول الاقتناع بأنك وإن
كنت قد اكتويت بنار الثكل المحرقة أعانك الله وأعان زوجتك عليها ـ فلقد جنيت كذلك
مشاعر الأبوة.. وبهجة الإنجاب.. وإيناس مداعبة الطفل الصغير ومراقبته وهو يحبو
ثم يقف على قدميه ثم يمشي ويجري ويملأ الدنيا بهجة وسرورا, سنوات غاليات من
العمر ـ وأنه لو رجع الزمن إلى الوراء لربما فضلت ألا تحرم منها بغض النظر عما جرت
به المقادير بعد ذلك.
كما أن ومن يغيبون عنا لا يموتون عند رحيلهم.. وإنما حين ننساهم, ونحن لا
ننساهم أبدا يا سيدي.. لأنهم يعيشون دوما في قلوبنا وذكرياتنا.. وتملأ صورهم
مخيلتنا ونسمع أصواتهم في آذاننا.. وهم حاضرون دوما في وجداننا مهما بعدت
الذكرى.. وبالتالي فان التجربة لم تذهب سدى رغم أحزانها وآلامها.. وإنما تركت
لنا هذه الذكريات العزيزة والمشاعر الثمينة .
أما
زوجتك الفاضلة فأني لا أجد من الكلمات ما أواسيها بها.. لكني استعيد فقط ما قاله
أحد الصالحين معزيا خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز في ولده الصالح التقي
الذي قضي نحبه في مطلع الشباب حين قال له: إن الذي كان لك في الدنيا سرورا..
قد أصبح لك في الآخرة أجرا.
ذلك أن الحال كذلك معك يا سيدتي ومن كان لك في الدنيا سرورا وبهجة وإيناسا, قد
أصبح لك في الدار الآخرة أجرا عظيما وسعادة باقية في الدار الأخرى بإذن الله..
وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون.
مع تمنياتي الصادقة لك بأن تتعايشي بقدر الإمكان مع أحزانك وتتقبلي أقدارك الأليمة
في الحياة وألا تضاعفي من خسائرك بالاستسلام للحزن والقنوط إلى ما لا نهاية ..
والسلام.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2002

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر