الاختيار الحر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000
أنا شاب أبلغ من العمر30
عاما, نشأت في أسرة مترابطة وكنت الابن الوحيد على 4 بنات, وكانت لأختي التي
تصغرني بثلاث سنوات وهي صديقتي المقربة التي أبوح لها بأسراري, صديقة عزيزة
تعرضت وهي طفلة لحادث مؤلم حيث صدمتها مقطورة, فنتج عن الحادث بتر في إحدى ذراعيها وإحدى رجليها,
فحرمت وهي طفلة من اللعب والجري وأصبحت تذهب إلى مدرستها وهي تتعثر في أجهزتها
التعويضية, غير أن الله سبحانه وتعالى قد عوضها عن ذلك بالجمال والأخلاق وخفة
الظل, كما أنها لم تنطو على نفسها, ولم تشب نفسها المرارة .. وإنما واجهت
الدنيا بالابتسامة وخفة الروح فوهبها الله القبول لدى الآخرين, وأحبها كل من
تعامل معها.. ولقد كنت أتعامل معها كأخت لي, غير أن مشاعري تجاهها اختلفت بعد
ذلك, وبدأت أحب رؤيتها وسماع أخبارها, ثم بدأت أشعر نحوها بالحب..
وحاولت في النهاية أن أقاوم هذه المشاعر وأن أنساها لكني فشلت وصارحت أختي بمشاعري
نحوها وأنا أتوقع أن تنهرني أو تنفرني من الارتباط العاطفي بصديقتها هذه بسبب
ظروفها الخاصة, ففوجئت بها سعيدة للغاية بتفكيري في صديقتها, وقالت لي إنها قد
تمنت في أعماقها ذلك.. وتشعر عن ثقة بأنها تبادلني نفس هذه المشاعر, ولكن في
صمت وبغير أن تصارح أختي بذلك.
فاطمأننت وازددت اقترابا من
هذه الفتاة حتى بدأت أمي تشعر بحبي لها وفاتحتني في الأمر وطلبت مني ألا أفكر في
الارتباط بها ذات يوم, فلم أعلق بشيء لأنني لم أكن مستعدا في ذلك الوقت للزواج
من ناحية, ولا أملك من ناحية أخرى الشجاعة على الإقدام على هذه الخطوة .. ثم
تحسنت أحوالي بعض الشيء وجاء الوقت المناسب للزواج وعرضت علي أمي فتاة جميلة,
فوافقت عليها اعتقادا مني أن خطبتي لها سوف تنسيني فتاتي الأخرى .
وغضبت مني أختي تضامنا مع صديقتها وقاطعتني
لفترة, وتمت الخطبة وشهدتها فتاتي الأولى وهي تتظاهر بالتماسك والقوة وإن
كنت لم أنس حتى الآن نظرتها الكسيرة لي .. وحاولت بكل جهدي التواؤم مع خطيبتي
والتفاهم معها, لكني فشلت في ذلك فشلا ذريعا, فقد كنت أقارن دائما بينها وبين
فتاتي الأولى. فأجدني عاجزا عن تقبلها, وسلمت بالفشل بعد فترة.. وقمت بفسخ
الخطبة لكيلا أظلمها أو أظلم نفسي, وعدت للتفكير في الارتباط بفتاتي السابقة من
جديد واستجمعت شجاعتي ذات مرة وفاتحت أمي في ذلك, فصرخت في وجهي وأقسمت أنها لن
تدخل لي بيتا إذا ارتبطت بها.
وتركت أمي لنفسها وأنا آمل في أن تغير من موقفها
بعد حين, ومضت فترة دون أن أفاتحها في الموضوع مرة أخرى, حتى خيل إليها أنني
قد عدلت عنه أو نسيته... وبعد محاولة أخيرة مع أمي
كررت خلالها نفس موقفها السابق.. وإن كان بحدة أقل, تجرأت وأقدمت على خطبة
فتاتي.. وحزنت أمي لذلك وتجاهلتني.. وبعد الانتهاء من استعدادات الزواج تم
الزفاف في مسكن فتاتي القريب من مسكن أسرتي, وسعدت بحياتي الجديدة معها ولم
يكدرني شيء سوى استمرار أمي على موقفها, ورفضها دخول بيتي وتحذيرها لشقيقاتي من
مساعدة زوجتي في أعمال البيت, لكني لم أشعر على أية حال بأي نقص في قدرات فتاتي
كربة بيت وقامت بأعمال البيت على وجه مرض .. وساعدتها الأجهزة الكهربائية على
ذلك.. ومضت بنا الأيام.. وأنا أحاول الحفاظ على علاقتي بأمي.. فأزورها وأقوم
بكل واجباتي تجاهها.. واستجدي الكلمة الطيبة منها.. وهي كما هي لا توصد بابها
دوني ولا تشعرني في نفس الوقت برضائها عني, ولا تزورني في بيتي.. ولا تقبل
زوجتي.
ولاحظنا بعد فترة من الزواج
تأخر الحمل.. فبدأنا رحلة الطواف على الأطباء.. وانتهت للأسف باكتشافي أنني
غير قادر على الإنجاب.. وشعرت بالحزن الشديد وعرضت على زوجتي أن أطلقها لكي تعيش
حياتها وتتزوج من آخر وتنجب أطفالا, فرفضت ذلك بعنف شديد وقالت لي إنني لو فعلت
فلسوف أكون قد آذيتها أذى بليغا مرتين, الأولى حين خطبت غيرها وأنا أعلم أنها
تحبني وأنا أحبها, والثانية حين أنفصل عنها.. وأكدت
لي زوجتي أنها لن تقدر على مواصلة الحياة بدوني.. ورجتني ألا أفكر في هذا الأمر
أبدا.
ومنذ ذلك الحين وأنا حائر
في أمري.. أشعر في بعض الأحيان بأن من واجبي أن أطلقها ولسوف تنساني ذات يوم
وتعيش حياتها.. وأشعر في أحيان أخرى بأنني لا أقدر على هذا القرار ولا أريده..
فبماذا تنصحني أن أفعل خاصة أنني لا أقدر أحيانا على النظر في وجهها من الخجل,
وهل تكتب كلمة لأمي لكي تغير موقفها من زوجتي, وتقول لها إن الإنسان لا يعيش مع
جسد بل مع روح وكيان وأن فتاتي لم تمنعها إعاقتها من شيء في حين حرمتها أنا من
حقها في الإنجاب بسبب ظروفي؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
ولماذا تعجز عن النظر في وجه زوجتك خجلا منها؟ وما هي جريرتك في الحرمان من الإنجاب سواء أكان مؤقتا أو دائما, وهو قدر مقدور على من يمتحن به؟إن الإحساس بالذنب تجاه زوجتك قد يكون مفهوما إذا كنت قد علمت بعجزك عن الإنجاب قبل الزواج وكتمته عن زوجتك.. أو إذا كنت قد اكتشفته بعد الزواج وقصرت في طلب العلاج منه وهو ممكن, أو إذا كنت قد أكرهت زوجتك على العيش معك رغما عنها ورفضت إطلاق سراحها حين طلبت منك ذلك, أو حتى إذا كنت قد تحايلت على زوجتك عاطفيا وابتززت مشاعرها ومارست عليها ما يشبه الإكراه العاطفي, لكي تقبل باستمرار الحياة معك إشفاقا عليك.. أو عجزا عن إيلامك على عكس رغبتها الكامنة في أعماقها في التخلص من ارتباطها بك وأنت لم تفعل شيئا من ذلك.. وإنما اكتشفت عجزك عن الإنجاب وقد يكون مؤقتا وصارحت زوجتك به وخيرتها في أمرها فاختارتك بملء إرادتها, ونهتك عن التفكير في الانفصال عنها ذات يوم.
فما وجه الإحساس بالذنب أو النقص تجاهها؟
أليست الحياة اختيارات حرة للإنسان؟
وألم تقل أنت عن نفسك إنك عجزت في بعض المراحل عن الإقدام على الارتباط بزوجتك هذه بسبب ظروفها الخاصة لأنك لم تكن وقتها تملك الشجاعة الكافية لذلك, وأنه حين امتلكتها أقدمت على الزواج منها وسعدت بحياتك معها بالرغم من معارضة والدتك وإشفاق المشفقين عليك من الظروف الخاصة لزوجتك؟
لماذا إذن تتصور أن زوجتك أقل شجاعة نفسية أو أقل تقديرا لجوهر الأمور منك؟
أليس من حقها هي الأخرى أن يكون لها اختيارها الحر.. حتى ولو كان ذلك في وجه إشفاق المشفقين عليها من الحرمان من الأمومة, كما كان الحال معك عند ارتباطك بها؟
وأليس أكثر الزيجات نجاحا واستقرارا هي التي يعوض فيها كل طرف نقص الآخر ويجبر كسوره فيتكاملان معا ويواجهان الحياة بقوة الحب والفهم والعطف والتضحية المتبادلة؟
إن الحياة لم تتوقف عند مجرد اكتشافك بعجزك عن الإنجاب الآن.. فهي كما يقول لنا الكاتب الحكيم إريك فروم: عملية ميلاد مستمر وإن كانت المأساة في حياة بعضنا هي أننا نموت قبل أن يكتمل مولدنا أي قبل أن تشهد حياتنا العدد الكافي من الميلادات الجديدة!
فكل مرحلة من حياتنا هي ميلاد جديد لنا.. وزواج فتاتك منك واستقرارها العاطفي معك بعد اليأس منك ميلاد جديد لها.. وحبها لك وتمسكها بك بالرغم من مسألة الإنجاب بعد الإشفاق من الانفصال عنها ميلاد آخر لك, ولسوف تتوالى الميلادات في حياتك بإذن الله وقد يكون من بينها حل مشكلة الإنجاب بعد طول الصبر والانتظار كما يحدث في حياة كثيرين, فلماذا لا تعطي الصباح فرصة لكي يطلع عليك بأمل جديد ولو بعد حين, أو لكي يحمل لحياتك قيمة أخرى تعوضك عما ينقصك فيها؟
أما والدتك فلن أطيل في
حديثي إليها وإنما سأقول لها فقط إنني أتفهم جيدا دوافعها الأمومية لموقفها من
زواجك, فلقد أرادت لك ككل الأمهات الأفضل والأرفع دائما من ثمرات الحياة, لكن
السعادة يا سيدتي في النهاية ليست بمقاييس كمال الأجسام ولا بأية معايير جسمانية
أو مادية ومادام الأبناء قد سعدوا بما اختاروه لأنفسهم حتى ولو كان دون ما أردناه
نحن لهم.. فلماذا لا نسعد بسعادتهم ونمنحهم مباركتنا لحياتهم لكي يعيشوا في
سلام؟
وأليست الأمومة عطاء من
البداية إلى النهاية؟ فلماذا إذن تحجبين عطاء عفوك عن زواج ابنك على غير إرادتك..
وعطاء أمنياتك الطيبة له ولزوجته بالسعادة والأمان في حياتهما!
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2000
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر