اقتراب العاصفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000
أنا زوجة وأم لثلاثة شباب تخرجوا والحمد لله
في كليات مرموقة بعد مسيرة طويلة من الكفاح,
ابتداء بربط الأحزمة من أجل مدارس اللغات, إلى تجميد العلاقات
العائلية, إلى الطموح الدراسي من أجل
التفرغ للاهتمام بتربية وتعليم الأولاد والترفيه
عنهم .. ولقد فازت ابنتي بكل اهتمامي وحياتي وتخرجت في كلية الطب,
واستفادت من المناخ الثقافي الذي نشأت
فيه وأثري شخصيتها أنها عملت فترة في صعيد مصر فصارت بحمد الله فتاة مشرفة بشهادة
كل من عرفها.
ولقد كانت تربطني دائما بابنتي علاقة
دافئة من المودة والمحبة
والاحترام المتبادل ولم يحدث بيننا أي صدام خلال فترة المراهقة المتسمة عادة بالتمرد
والانقلاب العاطفي. وكم من المرات السعيدة صحبتها للتسوق في المحلات الراقية فكانت
تأتنس برأيي. ونعود سعيدتين بمشترياتنا,
وتقدر دوري في توجيهها ورعايتها علي وجه الخصوص ودوري في حماية
الأسرة بوجه عام, بينما كان الأب يعطي
كل وقته وجهده للتقدم في مجال تخصصه حتى صار والحمد لله علامة بارزة في تخصصه.
وبالطبع فقد تقدم لابنتي أكثر من شاب
لطلب يدها وكنا نحترم
رأيها وكنت دائما أشجعها علي حضور المؤتمرات الطبية في مجال تخصصها
للاستنارة, وترافقها دعواتي من قلب
الأم أن تلتقي بنصيبها في الوقت المناسب.
ولقد كانت فرحة الأسرة كبيرة بفوزها
بمنحة للحصول على الماجستير
في انجلترا واكتملت فرحتنا حين تقدم لخطبتها زميل لها واستطعنا بفضل
الله أن نقنعه بالانتظار سنة المنحة إلى
أن ترجع ابنتي مظفرة وبدا لي المستقبل مشرقا
وأنه قد آن لمسيرة الكفاح أن تصل إلى بر الأمان.
وخلال شهور المنحة كنا علي علاقة متينة
معها فكانت تحدثنا تليفونيا
أسبوعيا ونكتب لها باستمرار وكأنه لا تفصل بيننا بحار ودول. ثم
حدث أن كتبت لنا أنها قد فسخت الوعد
بالخطبة لزميلها فحزنت أنا لدرجة المرض على اندفاعها في ذلك دون مناقشة الأمر معنا.
ثم جاءت المفاجأة الكبرى التي قلبت حياتنا
وأذاقتنا طعم المرارة والألم. حين كتبت لنا عن تقدم شاب باكستاني الجنسية
ـ يدرس في انجلترا علوم الكمبيوتر ويقيم معها
في بيت الطلبة الملحق بالجامعة ـ لخطبتها, فكتب لها والدها عن قانون الجنسية الذي
يجعل أولادها من الأجنبي يتبعون جنسية الأب وتطبق عليهم وفق القانون المصري معاملة
الأجانب في الإقامة والتعليم, ورحنا نحادثها
برفق مراعين ظروف وحدتها والغربة والدراسة, ثم انتهت منحتها الدراسية
وعادت إلينا تحمل شهادتها فلم أكد أتعرف
عليها فقد كانت شبحا فاقدة الرغبة في الطعام
أو الحياة حتى أنني أخفيت خبر وصولها عن عائلتي إلى أن تتحسن صحتها.
وتقدم لها أكثر من شاب يطلب يدها ولكنها
رفضت مقابلتهم مما وضعنا في موقف
حرج مع عائلات هؤلاء الشبان, وأعلنت تمسكها بالاقتران بالشاب
الباكستاني الذي يكبرها بعشر سنوات..
فلم أجد بدا من إعلان رفضي لتلك الزيجة صراحة
إذ لا حاجة بنا للمخاطرة بابنة حباها الله بجمال الصورة ونبل الشخصية وكريم
الأصل, وكان من أسباب رفضي أن اختلاف
النشأة والثقافة والتقاليد سيعجل بالانفصال,
كما أن اختلاف اللغة سيحول دون اندماجنا في عائلة متجانسة علاوة على
أهوال ما بعد الانفصال إذا حدث فان رحل
بأولاده انفطر قلبها عليهم وإن رجعت بهم فمن أين تنفق على تعليمهم وإعاشتهم في
مصر كأجانب, إذن فإن زواجها من ذلك الشاب سيجعلنا نفقدها إلى الأبد ونحن في أشد
الحاجة لها لكي تؤنسنا في سن التقاعد.
وعقدنا أكثر من جلسة عائلية وقال لها
أبناء وبنات عمها نحن
نحبك ونفخر بك فلماذا تتركينا ففاضت عيوننا بالدموع.
ثم كانت المفاجأة أو الفجيعة الكبرى أن
والدها قد أعلن رأيه
فإذا به يؤيد وجهة نظر ابنته بدعوى أنها كبيرة وناضجة وان من حقها أن تختار
من تحبه وتعاشره.
وأتساءل أي حق هذا الذي يدفع بفتاة
جميلة ومثقفة للمخاطرة دون تأمين ؟
أوليس كل حق يقابله واجب نحو النفس والتزام نحو الأسرة, لقد انتظرت أن يتخذ الأب خطوة لتأمين
المخاطرة فلم يتحرك, انتظرت أن يطلب معلومات
عن العريس الأجنبي من وزارة الخارجية, وأن نحصل علي صورة من عقد عمله
لنقدمه لأحد معارفنا المتخصصين حتي يقدر
لنا موقفه.. وانتظرت أن يتصل بأحد المحامين
لإعداد اتفاق مدني يضمن حقوق ابنته التي ستخلع جذورها من وطنها فلم
يفعل.
ثم طرأت فكرة أن نؤمن الطلاق مادمنا قد
سلمنا بالمخاطرة بزهرة
حياتنا وأرسلنا للعريس نطلب منه أن يشتري شقة للعروس في القاهرة فأجاب بما
أدمى قلبي, أولا وهو أنه لا يملك
ثمنها, ثانيا أنه لا يحتاج إلى شقة في القاهرة لأنه لن يأتي إليها أبدا..
وبالرغم من كل ذلك فمازالت ابنتي متمسكة بالزواج منه.
ولقد قاطعتني ابنتي التي بذلت حياتي في
تربيتها واخوتها حتي
أصبحت اتسول الكلمات منها.. ولم ينهض أحد من أفراد الأسرة لتذكيرها بواجبها
الأدبي والديني تجاه أمها.
إنني أرجو أن تخاطب الأب وترجوه أن يرعي
الله في ابنته, وألا يرمي
بها دون تأمين وأن يقوم بتحصينها بعقد مدني يحمي حقوقها, فإذا كان من حق الإنسان أن يختار لنفسه
فليس من حقه بالتأكيد أن يدمي قلوب من منحوه
سر الحياة.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
اتفق معك يا سيدتي في
كل هواجسك بشأن الزواج بأجنبي والمشاكل
المترتبة عليه.. لكن لماذا أشعر فيما بين سطور رسالتك بتحاملك على زوجك وباتهامك
الباطني له بالمسئولية عن عدم قدرتك علي إقناع ابنتك بالعدول عن هذا الزواج ؟
وهل تعتقدين حقا أنه لو كان قد انضم إلى رأيك في رفض هذا الزواج كانت ستعدل عنه ؟ لقد
حزمت ابنتك أمرها وهي في منحتها الدراسية وفسخت خطبتها لزميلها وارتبطت عاطفيا
بهذا الشاب الباكستاني واتفقت معه علي الزواج.
ولم يكن ليغير رأيها اعتراض أبيها وأمها أو موافقتهما.. فماذا يجدي
إذن لوم الأب واتهامه بالتفريط في ابنته
؟ لقد رأي أن ابنته التي يقترب عمرها في تقديري من الثلاثين قد عقدت إرادتها علي
الارتباط بهذا الشاب واقدمت علي فسخ خطبتها
لغيره كخطوة ضرورية في سبيل إتمام الارتباط, ولن يجدي معها رفض أو
قبول, فماذا يملك هو أو غيره سوى أن
يسلم لابنته الطبيبة الرشيدة بحقها في الاختيار
حتي ولو كان يرى في الأفق القريب كل المتاعب والأهوال التي ستترتب عليه؟
لقد سلم لها بحق الاختيار راضيا أو
كارها.
وأنت أيضا قد اضطررت للتسليم به لكنك
تريدين ان تطمئني علي
مستقبل ابنتك باتخاذ الاحتياطات والإجراءات المادية التي تخفف المخاطر وتزيد
من عوامل الأمان. ومن حقك ان تطالبي
بذلك بالفعل ومن واجب زوجك
أن ينهض للقيام بكل ما من شأنه أن يضمن لابنته حقوقها وأمان أيامها المقبلة
مع هذا الزوج الأجنبي.
إن الآباء والأمهات لا يسعدون بصفة عامة
بارتباط بناتهم بأزواج
غرباء عن بلادهم وعاداتهم وتقاليدهم, ولا يسعدون أيضا باغتراب الأبناء
غربة أبدية عنهم بمثل هذا الزواج..
لكن ماذا نملك لأبنائنا الراشدين سوى النصيحة وتبصيرهم بعواقب اختياراتهم ياسيدتي ؟
وكيف تعاقبك ابنتك علي حبك لها وحرصك
عليها وخوفك مما قد يواجهها
في قادم الأيام من مصاعب بمقاطعتك والابتعاد عنك نفسيا وعاطفيا ؟
ولماذا لا تقدر لك دوافعك وتتقبل هواجسك
ومخاوفك بشأنها كتعبير
عن حبك لها وحرصك عليها.. وليس كعمل عدائي ضدها ؟ يا سيدتي لقد فعلت كل
ما ينبغي لأم أن تفعله لحماية ابنتها من
عواصف تراها تتجمع في الأفق وتنذر بأن تهب عليها.
وليس مطلوبا منك أن تفعلي بعد ذلك شيئا
آخر.. سوى أن تتعلقي
بالأمل في رحمة الله عسى أن تخيب الأقدار كل الظنون وتجد ابنتك في اختيارها
ما يحقق لها السعادة والأمان في قادم
الأيام.
فهوني على نفسك ولا تضاعفي من خسائرك
فنحن لا نملك لأبنائنا أكثر من ذلك..
ولا مفر لنا من أن نقف معهم فيما اختاروا لأنفسهم حتي ولو لم نسعد به مادامت هذه إرادتهم..
وماداموا كبارا وراشدين وقادرين علي تحمل تبعات اختياراتهم.. وإن كنا كآباء
وأمهات سوف نتحملها بالضرورة معهم ذات يوم, ولن يعفينا من ذلك أننا قد حذرنا طويلا من عواقب الأمور فلم
يستمع لنصحنا أحد.. والأمر لله من قبل ومن بعد.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2000
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر