شئ من الحرج .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988
أنا يا سيدي رجل نشأت فى أعماق الريف، ونلت قسطاً من التعليم أحمد الله عليه، فقد حصلت على دبلوم المعلمين ، وعملت مدرساً ابتدائيا فى القاهرة. وجئت إلى هذه المدينة الكبيرة منذ سنوات بعيدة فرحت أتردد على بيت عمي أتلمس عنده الرعاية والحنان لأنني يتيم منذ صغرى، فأحببت ابنته الشابة وأحبتني، ووجدت لديها ضالتي من الحنان، ووجدت في رجلها وأملها واتفقنا على الزواج، وتم بعد فترة قصيرة وبدأت حياتي معها فكانت لى نعم الزوجة والأخت والصديقة، وتحملت معي مشقة العيش براتب مدرس إبتدائي فى القاهرة الواسعة بصبر وبلا شكوى، بل راحت تدبر حياتنا بحكمة لم أشعر معها بقسوة الحياة أو مشاكلها، وكان الله قد أراد يجزيها عن حرمانها خيراً وهى التي لم أسمعها يوماً تشكو قلة الشىء رغم قلته فعلاً، فصدر قرار بإعارتي إلى إحدى الدول العربية، وسافرت إليها مستبشراً واصطحبت معي زوجتي وأولادي الثلاثة، وعشنا حياتنا هناك فى سعادة غامرة، كنت أرقبها خلالها وهى تجد السعادة بعد الحرمان.. فأراها تشكر ربها وتحمد الله على كل شىء ولا يتغير حنانها على الأبناء ولا حنوها علي، فهي دائماً الصابرة فى الضراء والشاكرة فى السراء. فلم ترهقني بمطلب، وكانت تتقبل كل شىء برضا وسعادة.
ومضت سنوات الإعارة الأربع سريعاً وسعيدة غاية السعادة، وعدنا إلى بلادنا وقد أصبح الأبناء خمسة، فجمعنا كل ما ادخرناه فى سنوات الإعارة وبنينا به منزلاً صغيراً جميلاً في أحد أحياء القاهرة غير المزدحمة، وافتتحنا محلاً تجارياً صغيراً فى الدور الأرضي منه تديره زوجتي، ورضينا عن حياتنا وسعدنا بها، فأنا أؤدي عملي فى المدرسة وزوجتي تشرف على المحل فى ساعات الصباح، والأبناء من حولنا فرحين بما أتانا الله، وزوجتي تدير العمل والبيت بحكمتها الفطرية فلا مغالاة ولا إسراف فى شىء، وإنما كل شىء بالأصول وبالعقل والحكمة، حتى كانت ليلة كئيبة استيقظت من نومي فزعاً على صوت زوجتي يناديني فالتفت إلى جواري فى الفراش، فوجدتها قد فارقت الحياة دون كلمة وداع.
وهكذا انتهت
رحلتها فى الحياة قبل أن تبلغ السابعة والثلاثين وبغير أن تهنأ بالحياة الميسورة
سوى عدة سنوات قصار، ووجدت نفسي فى الثامنة والثلاثين أرمل يرعى خمسة من الأبناء
أكبرهم فتاة فى سن الصبا. فتجرعت كأس المرارة وحدي ورضيت بقدري وكرست جهدي لرعاية
أبنائي. وكانت ابنتي الكبرى فى الثانوية العامة وقتها فتحملت بشجاعة عبء الأسرة
والأشقاء. فلم توفق فى امتحان الثانوية العامة. ولم أحزن لذلك لعلمي بما تحملته من
آلام وأعباء، وقد عوضها الله عن فشلها بالنجاح فى العام التالي بمجموع أهلها
للالتحاق بكلية محترمة، لكن الأعباء الثقال التي تحملتها جعلتها تتعثر بعض الشىء
فى دراستها لأنها شديدة الحساسية، ولا تدخر جهداً فى تلبية مطالب إخواتها كأنها
تريد أن تشعرنا بأننا لسنا فى حاجة إلى أحد ، فتحملت الكثير أعانها الله ثم
تقدم لها شاب من الأسرة لخطبتها فرفضت فى أول الأمر، لأنها لا تريد أن تتخلى عن
أشقائها الصغار لكنى وجدته مناسباً لها فأقنعتها به. وشاركني فى إقناعها ابني الذى
يليها فى السن وهما صديقان حميمان قربت بينهما ظروف الحياة والحرمان من الأم وهو
طالب فى كلية الطب، وتمت الخطبة وهى الآن منقولة إلى السنة الرابعة فى كليتها وقد
جهزت كل شىء لزواجها إن شاء الله ، أما الابنة الثانية فهي فى الصف الثاني الثانوي
وقد نجح ابني الآخر فى الإعدادية ونقل إلى الصف الأول الثانوي، وحصل ابني الأصغر
على الشهادة الابتدائية ونقل إلى المرحلة الإعدادية.
وقد مضى الآن على رحيل الأم سبع سنوات.. وتجاوزت الخامسة والأربعين وأصبحت ناظراً
لمدرسة ابتدائية، لكن الوحدة تثقل على وإن لم يفارقني طيف زوجتي الراحلة.. وبدأت
أحس بالوحشة وبالحاجة إلى شريكة تشاركني بقية أيامي وتساعدني فى تكملة رسالتي مع
أبنائي، وأستند إلى ذراعها فى شيخوختي لكيلا أكون عبئاً على أبنائي. وألح على
التفكير يوماً ففاتحت ابني الأكبر فيه، فإذا به يوافقني عليه إشفاقاً منه على من
الوحدة وإعزازا لى أعزه الله وأكرمه، بفضل من عنده، وما أظن ابنتي الكبرى إلا
تؤيده فى ذلك وهى المضحية الراغبة دائماً فى إسعاد أبيها وأشقائها.. لكنى أحس
بالقلق تجاه أبنائي الصغار وأتساءل هل ستسمح لهم سنهم الصغيرة بأن يتقبلوا الأمر
مع ما فيه من امتحان لمشاعرهم؟
لقد خانتني شجاعتي فى مفاتحتهم بالأمر، والأب يا صديقي قد يضعف أمام أبنائه فى مثل هذا الأمر المحرج فيحتاج إلى العون والمساعدة.. لهذا فقد فكرت فيك ، وأنا أراهم يقرأون بابك ويحترمون آراءك فى أن تزيل عنى هذا الحرج وأن توجه إليهم كلمة ولو فى رسالة خاصة، تشرح لهم فيها أن من كان مثلى يحتاج إلى الزواج، وأن ذلك لن يؤثر على مكانتهم فى قلبي ولا على رعايتي لهم ، وأنه ولولا الظروف الأليمة ما فكرت فى أن تدخل بيتنا غير أمهم العزيزة الراحلة.
فإذا قبلت أن تؤدى لى هذه الخدمة.. فهل تقبل أيضاً أن تساعدني فى إيجاد من تشاركني رحلة حياتي الباقية مع ما شرحت لك من ظروفي وأهمها أنى لا أرغب فى مزيد من الأبناء؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
قدر الله ما شاء فعل، ومادمت قد حملتني الأمانة فليس أمامي خيار سوى تحمل تباعتها، فأما أبناؤك فلا خوف عليك من الحرج الذى تستشعره معهم بسبب سنهم الصغيرة، فلقد أصبحت أشك جداً فى أنه لم تعد هناك الآن مرحلة طفولة، لأن الأبناء يولدون كباراً كأنهم عرفوا الحياة وفهموا الكثير كمن أسرارها. والسر فى تصوري يرجع إلى التليفزيون الذى تغلغل فى حياتنا بما يعرضه من أفلام ومسلسلات تعرض صور الحياة المختلفة فى قمة تأزمها أمام الكبار والصغار بلا تفرقة. لهذا فلست أتصور أن أبناءك يعيدون عن إدراك المحنة التى تعانيها، كما أن التجارب الحزينة تكسب الصغار نضجاً مبكراً وحكمة فطرية تعينهم على مواجهة شدائد الحياة. وفى ضوء ذلك كله أقول لأبنائك ملتمساً منهم العفو عما قد يصدم مشاعرهم: إن من نكد الدنيا أن يفقد الإنسان شريكة حياته فى منتصف الطريق، وأن كثيرين من الآباء الذين امتحنوا بهذه المحنة لا يطيقون احتمال الوحدة لفترات طويلة، ويثقل عليهم الإحساس بفقدان الرفيق فيحتاجون إلى شريكة تساعدهم فى تحمل رعاية الأبناء وتهون عليهم متاعب الطريق، وهو أمر مشروع وله أسبابه الواضحة، بل إن بعض الصالحين لم يتحملوا الحياة بغير زوجة لأكثر من أسابيع بعد رحيل الزوجة الأولى، بغير أن ينقص ذلك من وفائهم لزوجاتهم، وقد روي عن الإمام أبو حنيفة.. وهو من هو ورعا وتقوى. أنه عاد من وداع زوجته . فالتفت إلى أصحابه وطلب منهم أن يبحثوا له عن زوجة، فقالوا له يا أبا حنيفة اصبر لقد ماتت زوجتك اليوم، فقال لهم: إن شرار الناس عند الله عزابهم، وأنا لا أريد أن ألقى الله عزباً!
ولست أروى لكم هذه القصة لأبرر لكم رغبة أبيكم المشروعة فى الزواج، وإنما لأشرح لكم بقدر ما أستطيع مدى حاجة الرجل فى بعض الأحيان إلى وجود زوجة إلى جواره، على وفائه لزوجته الراحلة وشدة حرصه على أبنائه وحبه لهم.
فالأبناء دائماً عند الأسوياء من الآباء فى حبة القلب دائماً، ولا يغير من مكانتهم وحقوقهم فى الرعاية أن يتخذ الأب لنفسه شريكة جديدة فى الحياة.. ولا شك أنه لم يتمن ذلك لنفسه ولكم.. لكنها ظروف الحياة وضروراتها التى تدفع الإنسان أحياناً إلى ما لم يحب ويرج.. خصوصاً إذا تفكر فى مستقبله. ورأى أنكم عاجلاً أو آجلاً سوف تستقلون بحياتكم.. وسيجد هو نفسه وحيداً فى سن لا يسمح له بالزواج، يجتر ألامه ويتلمس الصحبة. فإذا كان الأمر كذلك فلم لا نتعاون معاً على تخفيف آلام الحياة عنا جميعاً. فيظفر أبوكم بمن يسكن إليها.. وتظفرون أنتم بأم بديلة تواصل معكم رسالة أمكم الراحلة.
إنني أعلم أن الأمر قاس على قلوبكم الصغيرة، لكن ماذا نستطيع أن نفعل وقد شاءت لنا الأقدار الحزينة هذا الوضع؟ ولماذا لا نأمل خيراً ونؤمن بأن من حق كل إنسان أن يحيا حياته فى حدود المشروع والمقبول؟ فنرجو لأبيكم أن يوفقه الله إلى شريكة عطوف ترعى الله فى معاملتكم وتتقرب إليه بحسن رعايتكم،وكم شهدنا فى الحياة من أمهات بديلات كن رحمة على من وضعتهم الأقدار فى رعايتهن رغم كل شىء.
أما أنت يا سيدي فما دمت قد حزمت أمرك فخير ما أنصحك به هو ما نصح به الإمام على بن أبى طالب ولديه فى وصيته حين قال لهما: ( الله .. الله .. فى الأيتام فلا يضيعوا فى حضرتكم) فاجتهد يا سيدي فى أن تتخير لهن من الأمهات من تكون عوناً لهم على الدنيا لا خطباً من خطوب الدنيا عليهم، وليس أفضل فى ضمان ذلك من ذات الدين، فاظفر بذات الدين والرحمة والعدل يهدأ بها جانبك .. ويسكن إليها أبناؤك، وتمضى بكم سفينة الحياة فى بحر هادىء الأمواج لطيف النسمات إن شاء الله.
شارك في إعداد النص / ياسمين عرابي
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر