إنسان بسيط .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

 إنسان بسيط .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

إنسان بسيط .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

أنا يا سيدي إنسان بسيط في كل شيء.. في منبتی .. وفي نشأتی وفي نصيبي من الدنيا .. والحمد لله كثيرا على ذلك، فأنا ابن لإنسان بسيط يعمل شرطيا، وقد كافح وعرق لکي يربي أبناءه ويعلمهم في المدارس والمعاهد والجامعات، فتخرج شقيقي الأكبر في كلية الطب وعمل طبيبا منذ عامين، وتخرجت أنا في أحد معاهد المعلمين وعملت مدرسا بالتعليم الابتدائي، وتزوجت شقيقاتي الثلاث زيجات مناسبة بعد أن تعلمن إلى مستويات متوسطة وعالية، وقد عملت بالتدريس الابتدائي منذ عاملين، وعينت في مدرسة بمدينة تبعد عن القاهرة التي أقيم فيها 60 کیلو مترا، وفرحت بذلك كثيرا وأقبلت على عملي بنشاط وبهمة.. ونظمت حياتي على أساس أن أخرج من بيتي في السادسة صباحا فأصل إلى المدرسة في قطار قشاش يهد الحيل ثم أعود إلى بيتي في الثالثة مساء سعيدا، أما راتبي فهو واحد وأربعون جنيها أقبضها كل شهر وأنا راضى النفس والحمد لله.

 

والحق أني شعرت بإنسانيتي وأنا أقف في الفصل لأعلم أبناء الآخرين وأعطيهم الحب والاهتمام، وقد وفقني الله إلى إنسانة طيبة أعجبت بشخصيتها.. وأعجبت بی ثم تبادلنا المشاعر الصادقة وقررنا أن نبني حياتنا معا، وأن نمضي رحلة الحياة معا، فعقدنا قراننا منذ شهور، وبدأت استعد للجهاز ومتطلبات الزواج، ووجدت لزاما علي أن أعمل عملا إضافيا بعد الظهر، لأن راتب الـ 41 جنيها لن يكفي لشيء. وبحثت عن عمل في أماكن عديدة فلم أوفق ثم دلني صديق على شركة للقيام بأعمال النظافة في الهيئات والشركات الخاصة، فذهبت إلى هناك وقبلوني على الفور للعمل في الفترة المسائية براتب 45 جنيها، وبدأ نظام حیاتي يتغير .. فبعد أن أعود من المدرسة أذهب إلى البيت لمدة ساعة ثم أتوجه بسرعة إلى مقر الشركة حيث أخلع ملابسي ثم أرتدي الزي الموحد لعمال النظافة في الشركة، وتحملنا السيارة إلى الموقع الذي تتولى الشركة نظافته، فنزل في شكل حملة تحمل الجرادل والمكانس الكهربائية والفوط وندخل لنقوم بكل نظافة المبنى، وأمارس عملي بإخلاص كما تعودت في كل عمل وأنا أحس بالراحة لأني أكافح لبناء حياتي ومستقبلي من خلال عمل شریف ورزق حلال، وقد تمكنت بعد ارتباطي، بالعمل كعامل نظافة بالشركة من أن أدفع سبعين جنيها كل شهر في جمعيات لشراء لوازم الزواج ولادخار مقدمي إيجار غرفة في الحي الشعبي الذي أعيش فيه، وتتبقى 16 جنيها أدفع منها تكاليف المواصلات والأشياء الصغيرة التي أحتاج إليها كل شهر.. وهذه نعمة كبيرة والحمد لله.

 

وفي الحقيقة فإن معي مجموعة من الشباب المكافح كلهم أولاد ناس طيبين وأخلاقهم طيبة.. وفيهم مروءة وشهامة لا أجدها في آخرين .. وكثيرون منهم موظفون في جهات وهيئات وشركات أخرى يرتدون "اليونيفورم" وتحملهم عربات الشركة إلى المواقع التي تتعاقد على تولي نظافتها يوميا، وكلهم يكافحون ليكملوا طلبات حياتهم وليجيبوا مطالب أولادهم.. ويحسون بلذة العرق من أجل الرزق الشريف.

 لكن! .. وآه من لكن هذه يا صدیقي کما تقول كثيرا في ردودك على رسائل المعذبين في الأرض في بريد الجمعة.. "ولكن" الخاصة بي يكمن فيها سر عذابي .. فلا شيء في عملي يضايقني.. وأنا لا أشعر بالخجل وأنا أمارسه لأنه عمل شريف، لكن ما يؤلمني هو نظرة العاملين في الموقع الذي أنظفه إلي، وهو بالمناسبة مبنى أحد البنوك، فهم يا سيدی ينظرون إلي نظرتهم إلي ككومة القمامة التي أرفعها من بنكهم، ونظراتهم لي ولزملائي يشوبها احتقار غريب لا أعرف له سببا، وهم ينظرون إلينا بتعال عجيب وتأفف كأننا حشرات زاحفة، ولسنا بشرا مثلهم ومتعلمين مثلهم .. وقد كدت مرة أفقد أعصابي مع إحدى موظفات البنك التي عاملتني أنا وزملائي باحتقار شدید ولحظتها كنت سأفقد هذا المورد من الزرق.. لأني كدت أصرخ فيها قائلا: يا سيدتي أنا بشر مثلك.. لى أب مثلك وأم مثلك.. تعلمت قرأت مثلك لكن مقسم الأرزاق والحظوظ اختار لك حياتك الثرية.. فهنيئا لك ما أنت فيه.. وشكرا له على ما أنا فيه لكن لماذا تسيئين إلي وتجرحين مشاعري وأنا لم أسيء إليك.. ولم أتجاوز حدودي؟

وبالرغم من أنني لست ميالا لأن أصنع من حیاتی مأساة.. لاستدر الدموع.. ولا أجد في عملي.. ولا في ظروفي ما يدعوني إلى ذلك لأنني أعمل باختياري في هذا المجال لأزيد دخلي، بالرغم من ذلك فقد أحسست بالدمع يتجمع في عيوني، فتمالكت نفسي لأمنع دمعة من أن تفضح مشاعري، وانحنيت على عملي لأخفي رأسي وواصلت عملي بكل همة حتى انتهت النوبة وخلعت اليونيفورم ولبست ملابسي وعدت إلى بیتي متثاقلا مهموما.

 

إنني أكتب إليك لأسألك.. لماذا نحتقر من يعمل ويكافح في عمل شریف ليبنى حياته؟ ولماذا لا يحتقر المجتمع مالك العقارات النصاب الذي يسرق تحويشة العمر من الناس؟ ثم لا يسلمهم شققا سكنية .. وإنما يدوخون وراءه في المحاكم وفي مكتب المدعى الاشتراكي، ولماذا لا يحتقر المجتمع التاجر اللص.. أو رجل الأعمال المحتال الذي يجمع ثروته من التهريب والمعاملات الاحتيالية، وهل لو دخل واحد من هؤلاء على موظفي هذا البنك هل ينظرون إليه كحشرة كما ينظرون إلينا؟

قد تسألني ولماذا لم تلجأ لزيادة دخلك عن طريق الدروس الخصوصية.. فأقول إنني أعتبر دخل الدروس الخصوصية في التعليم الابتدائي بالذات رزقا حراما.. بل وسرقة، لأن إخلاص المدرس في عمله في المدرسة كفيل بإنجاح التلاميذ. لذلك لم أفكر في هذه الوسيلة أبدا.. ولن أفكر فيها، لكنني قد أطلب منك أن تساعدني عن طريق قراء بابك في إيجاد علم مناسب لي بعد الظهر من الساعة الثالثة إلى التاسعة أو العاشرة مساء، وصدقني.. إنني لا أطلب ذلك نفورا من عملي كعامل نظافة أو احتقارا له أو بسبب نظرة البعض له، وإنما لأن مواعيد العمل تكون أحيانا غير مناسبة حيث نتأخر فيه إلى ساعة متأخرة فأجد صعوبة في الاستيقاظ مبكرا لركوب القطار القشاش إلى مدرستي.. وأنا لا أريد أن أفقد عملي الأساسي الذي أحس فيه بشخصيتي وبنفسي .. فهل تستطيع؟

 

ولكاتب هذه الرسالة أقول:

صدقني أنت أيضا يا صديقي أنك شاب جدير بكل إعجاب.. وكل احترام! فأنت تعرف شرف العمل وتؤمن به بغض النظر عن نوعه مادام شريفا.. وأنت لا تبكي على الأطلال.. ولا تريد أن تجعل من حياتك مأساة لأنك مؤمن بأن الحياة كفاح وأن عليك أن تبني حياتك بساعديك وحدهما.. ولأنك أيضا تعرف أنك لست حالة خاصة وأن حياتك هي حياة الملايين من البسطاء أمثالك.. وكل ذلك يستحق الاحترام.

لقد أطلعتني رسالتك على جانب جديد من جوانب حياتنا المتلاطمة لم أكن أعرف عنه الكثير، فلم أكن أعرف أن شبابنا قد عرف الإقبال على العمل في شركات النظافة إلى هذا الحد.. ولم أكن عرف أن بين من عرفوا هذا المجال المفيد معلمين مثلك وموظفين و شبانا مکافحين ذوی مروءة وشهامة كزملائك، وما أكثر ما يتكشف لنا من أسرار عن واقع حياتنا كل يوم، والحق أنني فخور بك وبزملائك الذين تجاوزوا حاجز المظهر والشكليات وعرفوا العمل في هذا المجال النافع المهم، ولولا أني أفضل أن يكون العمل الإضافي في مجال قریب بقدر الإمكان من تخصص الإنسان.. ولولا أنك تقول لي إن مواعيده تؤثر على انتظامك في عملك الأساسي لما تحمست لنشر رسالتك هذه أملا في أن تجد مشكلتك حلا کریما على أيدي من يجدون سعادتهم في حل مشاكل الآخرين والتخفيف عنهم، لكني من ناحية أخرى قد تحمست لنشرها لعلها تكون صرخة جديدة تنبه إلى خطورة استمرار أوضاع من يتحملون أمانة المسئولية عن تربية النشء على ما هي عليه، فمن غير المعقول أن تقدم مهنة التدريس وتربية العقول والنفوس لمثلك 41 جنيها كل شهر، وأن تقدم له أعمال النظافة 45 جنيها كل شهر؟

 

 ولأن القضية ليست في حاجة إلى مزيد فلسوف اكتفى من جانبها العام بهذه الصراحة وأعود إلى جانبها الخاص فأقول لك إن رسالتك هذه ذكرتني بصديق اعتاد أن ينظر بإعجاب إلى أفراد فرقة النظافة في مؤسسة وهم يؤدون عملهم بهمة ونشاط عقب ساعات العمل، ثم يقول بسخرية مريرة لا تخلو من منطق لو أنصف المجتمع لأعطى هؤلاء أعلى الأجور، لأنهم الوحيدون الذين يؤدون عملا نافعا بحق في هيئتنا .

وصدقني مرة أخرى أنه لو قيست أعمال كثيرة لها مظاهرها البراقة وشكلياتها الكبيرة بمدى جديتها ونفعها للحياة وللبشر لتقدمها عملك في النظافة بكل جدارة! فضلا بالطبع عن عملك كمدرس مخلص ينفر مما يرى فيه شبهة الحرام من مورد الدروس الخاصة!

أما سؤالك المرير عن نظرة الاحتقار، فلا تفسير لها سوى أنها علامة من علامات التخلف في مجتمع لا يؤمن كثيرون فيه بشرف العمل بقدر ما يؤمنون بشرف المال، وإذا كان للمال وحده شرف ولا يقيم المرء فيه بعض الأحيان بما يقدمه للحياة وللمجتمع من ثمرة عمله، وإنها بحجم مكتبه وطول سيارته وبمدى قدرته على إيذاء الآخرين أو تمكينهم من النفع والانتفاع، فضلا عن جناية هذا العصر على قيم البعض التي جعلت من المال القيمة الأولى في الحياة لديهم، لذلك فقد يحترم الطفيليين اللصوص في مجتمع كمجتمع البنك الذي تعمل به، ولا يحترم عامل نظافة مكافح مثلك، وهذه جريمة أخرى لا تقل بشاعة عن جريمة من يعتقدون أنهم فوق مستوى الآخرين لأنهم يؤدون أعمالا أكثر أهمية أو مظهرية من أعمال غيرهم!

أو لأنهم يملكون ما لا يملكه غيرهم. وجوهر الأديان كلها أن البشر سواسية أمام خالقهم.. فمن أنكر هذه الحقيقة فلقد أنكر جوهر الأديان جميعا يا صديقي.

 

إنني أحييك مرة أخرى.. وأهدي قصتك لمن يعذبون أنفسهم بتطلعاتهم بغير أن تكون لديهم أدنى رغبة في الكفاح من أجل تحقيق هذه التطلعات.. انتظارا لأن تهبط عليهم الأحلام من السماء جاهزة للتنفيذ لعلهم يتعلمون منك كيف يحيا الآخرون.. وكيف يشقون لتحقيق أحلامهم الصغيرة.

4 اكتوبر 1985

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1985

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات