الانفصال الهادئ .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000
تصادقنا ثم تحاببنا فتزوجنا,
وأنضجت عشرة الأربعة عشر عاما حبنا فصار عميقا بليغا.. لكنه منذ لحظة ميلاد
ابننا الأول تفجرت خلافاتنا واستمرت ثم تعاظمت مع ميلاد صغيرتنا.
هي عجيبة الطباع, فما
طلبت منها شيئا إلا ووافقتني عليه ثم فعلت عكسه تماما, تفطم ابننا فجأة ودون أي
مبرر في شهره السادس, فيصبح نزيلا شبه دائم في المستشفى للتغذى بالمحاليل
وعلاجات سوء التغذية, تتسبب له مرتين في كسر بعظم الفخذ وهو بعد في عامه الأول,
تنام ملء جفنيها وأحد أطفالنا يعاني الحمى, لا تبالي بتصحيح أخطاء نطق أي من
الطفلين فكبرا يعانيان عيوب النطق, لازمت النزلة الشعبية أحدهما لمدة 7 سنوات
بسبب إهمالها المستمر لتجفيف جسمه وتعريضه مباشرة لهواء أجهزة التكييف, والغريب
أنها لم تكن لديها أي اهتمامات أخرى فهي لا تعمل وليس لها هوايات ولا تقرأ من الجريدة
سوى صفحة الوفيات والحظ وعناوين الحوادث, ولا تهتم كثيرا بملبسها أو الموضة مثلا
.. تقول شيئا وتفعل غيره, نتفق على أمر وتأتي بنقيضه.. وغير ذلك ما لا حصر له
من الأفعال غير المعقولة, غير المفهومة.. وفي كل مرة كنت أسأل زوجتي عن شيء من
تصرفاتها كنت لا أحصل منها إلا على إجابة واحدة تزيدني حيرة فوق حيرة .. وهي لا
أعرف لماذا فعلت ذلك مع وعد جديد بعدم التكرار.. ثم يكون التكرار والتكرار
والتكرار.
كنت في باديء الأمر أتحاور
معها في هدوء, ثم صرت أرفع صوتي, ثم تماديت فكنت أخاصمها ليوم أو يومين ولا
فائدة ثم تحرك لساني بالسباب ويدي بالضرب بعد أن بلغت قمم الغليان والغيظ ووصلت ..
أو كدت أصل إلى الانهيار, أصبت بمرض السكر وارتفاع ضغط الدم وأصبحت شديد العصبية
والتوتر وسريع الانفعال.. قاطعتها مقاطعة تامة, وانتهيت إلى هجر الفراش لمدد
وصلت إلى سنة كاملة وهي كجلمود صخر.. لا تتغير!
أنا مهندس معماري أعمل
بالتصميم, عملي يتطلب التركيز الكامل, فمفتاح النجاح والاستمرار فيه هو دوام
الابداع وإفراز الابتكار الجميل.. وكما هو الحال مع أي فنان, تنعكس حالته النفسية
ومناخه الأسري على أعماله, فتدهور عملي من سييء لأسوأ حتى توقف تماما.
لم يكن هناك حل إلا
الانفصال, وتم ذلك مع قدر لا بأس به من السلام والتحضر والآن, تأتي زوجتي
لزيارتنا مرة كل شهر فتثني ـ لا تتعجب لذلك على حال الأولاد بعد انفصالها عنهم
وتؤكد لي استمرار حبها لي, وأؤكد أنا استمرار حبي لها وإنها ـ ربما للمرة
الوحيدة طوال حياتنا الزوجية ـ قد أفلحت في تنفيذ ما اتفقنا عليه!
أعيش الآن مع الطفلين,
أقوم بأعمال ربة البيت بكفاءة بعد أن تعلمتها على مدى العام ونصف العام الماضيين,
استنفدت معظم مدخراتي منذ تعثر عملي قبل أربع سنوات وأحاول الآن البدء فيه من جديد.
أختتم رسالتي برجائك ألا
تسألني لماذا أحبها.. فأنا لا أعرف!
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
لن أسألك لماذا تحبها لأن
الحب لا منطق له في أغلب الأحيان.. لكني سوف أسألك ولماذا يستمر هذا الانفصال بينكما
وكل منكما يحب الآخر.. وتقوم بينكما هذه العلاقة الودية الهادئة ؟لقد عرفت عيوبها ونقاط ضعفها وصبرت عليها السنين الطوال, ثم ضقت ذات مرة بما تنكره عليها فاتفقتما على الانفصال في هدوء, وها قد مضي عام ونصف العام على هذا الانفصال الهاديء ومازالت زوجتك السابقة تحبك وتفتقدك ومازلت أنت كذلك تحبها وتفتقدها, فلماذا لا تستأنفان إذن حياتكما الزوجية مرة أخرى علي أن تتعامل مع عيوبها وهناتها بتسامح أكبر وتحاول أنت درء أخطاء هذه العيوب على الأطفال بقدر طاقتك؟!
إن وجودها بين أطفالها أفضل
لهم تربويا ونفسيا وإنسانيا بالرغم من كل أوجه قصورها, من بعدها عنهم وأنت
تستطيع كما تعلمت خلال فترة الانفصال القيام بأعمال البيت ورعاية الأطفال, وأن
تكون صمام الأمان الذي يحول دون أي مضاعفات تنتج عن ضعف شخصيتها وسوء تدبيرها وضعف
التزامها بما تعد به أو تتفق عليه معك.. فأعدها إلى عصمتك وأعف نفسك من عناء
الوحدة ورعاية الأطفال, لكي تتفرغ لعملك من جديد, فأما عيوبها فإنك تستطيع
السيطرة عليها.. أو علي الأقل تحملها والتجاوز عنها..
لكي تظل السفينة طافية فوق السطح.. ولا يحرم الأطفال من أمهم التي تمثل بالنسبة
لهم نبع الحب والحنان مهما يكن سوء تدبيرها.
يا صديقي إنها قدرك الذي لا
نجاة لك منه, فتحمل أقدارك بشجاعة وأعد زوجتك إلى عصمتك عسي أن تكون قد تعلمت من
تجربة الانفصال بعض ما لم تكن تعلم وشكرا.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2000
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر