الخطة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986
أكتب إليك هذه
الرسالة لعلى أجد لديك حلاً لمشكلتي البسيطة، التي رغم بساطتها فإني أعانيها ليلاً
ونهاراً، فأنا يا سيدي شاب نشأت في أسرة متدينة ومحافظة.. وعندما بلغت سن النضوج
وجدت من حولي جميعاً بلا استثناء يحبونني حباً جماً سواء أكانوا من أهلي وأقاربي
أم من زملائي في العمل أم أصدقائي في النادي .. بل ومن سكان الحي الذي أقيم فيه ..
ووجدت أن هذه نعمة من الله سبحانه وتعالى سعدت بها وفرحت جداً، فقررت أن أستزيد
منها.. أي أن أستزيد من حب الناس لي فاتخذت لنفسي خطة هي أن أجاري كل إنسان متصل
بى أو ممن أتعامل معهم فيما يقول أو يفعل استرضاء له.. وأنا أقف مع أي شخص
يستشيرني في أي مشكلة ظالماً كان أم مظلوماً.. وأن أؤيد كل إنسان في أي رأي يبديه
أمامي طلباً لإرضائه وألا أخالف أي إنسان في أي رأى يبديه أو أي عمل يقوم به طالما
هو معي.
ومع مرور الأيام
نجحت هذه السياسة إلى حد كبير ففزت بحب الناس وتقديرهم لي .. وأصبحت محبوباً من
الجميع .. مرحبا به من الجميع وحمدت الله على ذلك.
لكنى يا سيدي
لاحظت بعد ذلك أن الصورة قد بدأت تتغير، وأن بعض أهلي وأصدقائي ومعارفي قد بدأوا
ينفرون مني .. وأن منهم من أساء فهم (خطتي) هذه ، فأصبح منهم من يقول عني أني
منافق.. ومنهم من يقول عني إنني (بوجهين) بل ومنهم أيضاً من قال إنني أستخدم هذا
الأسلوب للوقيعة بين الناس، لكي يدب بينهم الخلاف وأصبح أنا الملاك الطاهر أمامهم،
وبدأ معظمهم ينفرون مني ويقاطعونني، وأصبحت وكأن على صدري حجراً ثقيلاً.. فهل أنا
مخطئ يا سيدي في طريقتي هذه مع الناس أم على صواب؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
نعم أنت مخطئ يا
صديقي في خطتك مع الناس ومع نفسك أيضاً.. لذلك فإن ما انتهت إليه علاقة الناس بك
الآن من نفور ومقاطعة، هو النهاية الطبيعية لمثل هذه ( الخطة ) ! فلماذا تسعى إلى
إرضاء الجميع على حساب ما تؤمن به أنت وما تراه.. ولماذا تنصر كل من يستشيرك
ظالماً كان أم مظلوماً؟ وتجاري كل إنسان فيما يقول ويفعل؟ وأنت غير مؤمن بما يقول
ولا بما يفعل، ثم مقابل أي شىء تفعل ذلك؟ الحصول على رضاء الآخرين.
إن الإنسان لا ينال رضاء الآخرين واحترامهم
بالتنازل عن شخصيته هو .. ومجاراتهم فيما يقولون ويفعلون خطأ كان أم صواباً، وإنما
ينال رضاءهم بقدر احترامه للحق ولنفسه وللآخرين وللقيم في معاملاته معهم .. وهو لا
ينال احترامهم بمداهنته للجميع ومجاراتهم بالحق والباطل، ومهما فعل بسبب بسيط هو
أنه لم يخلق بعد من البشر من نال رضاء (الجميع) بالمعنى المطلق.. ولو كان هذا
الهدف ممكناً لحققه الأنبياء والرسل الذين جاءوا للبشر بالحق.. فلم ينالوا أبداً
رضا (الجميع) وإنما آمن بهم البعض وكفر بهم البعض الآخر وأذوهم، وهذه هي سنة
الحياة .. ثم كيف يستطيع إنسان أن يرضي (الكل) مع تشابك العلاقات الإنسانية
وتعقدها بهذا الشكل، وإرضاء البعض يغضب بالضرورة البعض الآخر، الذين قد تتعارض
مصالحهم أو مشاعرهم معهم .. ثم إن الإنسان يا صديقي لا يستطيع أن يعيش وهو في حالة
(انتخابات) مستمرة، ويتعامل فيها مع الآخرين بنفسية المرشح الذي يطلب رضا الآخرين!
فأمثال هؤلاء
(المرشحين الدائمين) يغضبون الآخرين ويعقدون الأمور أكثر مما ييسرونها، لأن طلب
تأييد الآخرين باستمرار يؤدي إلى إعطائهم ما ليس من حقهم، ولو كان شهادة في حقهم
وتأييد ما لا نؤمن به ولا نقتنع به، ولابد أن يجر ذلك إلى الافتئات على حقوق
الآخرين.. فنخسر الناس.. ولا نكسب أنفسنا.. ولا يكسب الحق ولا العدل شيئاً.
يا صديقي كن نفسك
بلا زيادة ولا نقصان، ولا تنطق إلا بما تؤمن به ولو أغضب الآخرين، ولا تؤيد ظالماً
طلباً لرضاه لأنك بذلك تخسر من ظلمه وتخسر احترام غيرك وأولهم هنا الظالم نفسه،
ولا تغالي في طلب محبة الآخرين بلا سند.. (فلقد قيل يوماً للإمام العادل عمر بن
الخطاب إن الناس يخشونك ولا يحبونك.. فقال إنما يأسى على الحب النساء).
فقل كلمتك التي
ترضى ضميرك.. وسوف يحبك غالبية من يتعاملون معك وهذا يكفي جداً.. فمن طبائع
الأشياء أن يكون لك محبون.. وغير محبين.. وتذكر دائماً أن البشر كالدنيا (أدبر
عنها تقبل عليك) فهكذا البشر إذا غاليت في
الإقبال عليهم بلا مبرر أدبروا عنك وزهدوك، وإذا اعتدلت في إقبالك عليهم واحترمت
نفسك معهم احترموك وبادلوك وداً بود. فاصلب عمودك الفقري يا صديقي ولا تنحن لغير
ربك مهما كانت الأسباب، وقل كلمة الحق دائماً- اغضب- تفز باحترام نفسك ورضاك
عنها.. فإذا فعلت فلسوف تحظى غالباً برضا معظم الآخرين واحترامهم لك والسلام.
شارك في
إعداد النص / ياسمين عرابي
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر