هدية الصلح .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2003
أنا سيدة في الأربعين
من عمري .. تعرفت على زوجي وأنا في سن التاسعة عشرة وكنت حينئذ في السنة الأولى
في الجامعة. أحب كل منا الآخر حبا شديدا ، وكان هو يكبرني بتسعة أعوام. تقدم
إلى والدي ووافق علي زواجنا وبدأنا مشوار الحياة معا بالرغم من أني كنت مازلت
طالبة, ولكني أيضا كنت زوجة ناجحة بفضل الله, وكان هو يعمل بوظيفة بإحدى
الشركات الخاصة عندما كانت هذه الشركة صغيرة والآن أصبحت من كبريات الشركات الخاصة
التي لها اسم في السوق والاقتصاد المحلي .
وقد كبرت معه وكبر معي
برغم صعوبات الحياة التي قابلناها معا في بداية حياتنا, ثم رزقت بمولودي الأول
وسعدت به كثيرا وكنت في السنة الثانية في الجامعة وبفضل الله حاولت دائما أن أوفق
بين وضعي كطالبة وزوجة وأم بنجاح.
وفي السنة النهائية
في الجامعة رزقت بالمولود الثاني, وكانت أختا جميلة لابننا برغم معارضته في بادئ
الأمر لحملي, إذ كان يريدني أن أتخلص من الجنين بحجة أنني مازلت طالبة ولكن
إرادة الله لا راد لها, وحصلت على الشهادة الجامعية ومعي طفلان, ودون أن أقصر
في حق زوجي وأولادي وبيتي, وبعد تخرجي عملت بالتدريس, وكان زوجي دائما في
المقام الأول من اهتماماتي ثم أولادي لأنه بحكم عمله يذهب إلى العمل صباحا ولا
يأتي إلى المنزل إلا في وقت متأخر من الليل, وقد تحملت كثيرا من المصاعب معه في هذه الرحلة الطويلة التي دامت واحدا وعشرين عاما من أجل بيتي
وأولادي وحب السنين والعشرة الطويلة, كما تحملت منه كثيرا من النزوات التي يقوم
بها بعض الرجال, ولكني كنت دائما أتسامح بعد ندم منه وأسف ووعد بألا يعود مرة
أخرى إلي هذه النزوات أو الشطحات, فأتسامح وأغفر من أجل أولادي وبيتي.
إلى أن جاءت القشة التي قصمت ظهر البعير، فمنذ سنتين تعرف زوجي على
سيدة لعوب سيطرت عليه بطريقة عجيبة ودون مراعاة لأي شيء من قيم ومبادئ وحب وعشرة,
وفي ذلك الحين كان ابني الأكبر في الثانوية العامة والابنة الصغرى في المرحلة الإعدادية,
أي أنهما في مرحلة خطيرة من العمر يحتاج فيها الأبناء لأن يكون لهم أب فاضل وقدوة
حسنة, ولكن للأسف هذه السيدة حطمت حياتنا برغم محاولاتي معه كأنثى لكي أمنعه
عنها وأبعده عن طريقها, لكنه للأسف كان لا يرى سواها ولا يسمع إلا همسها.
وأقسم لك إنني لم أقصر
في حقه ولو للحظة, وهذا باعترافه شخصيا, كما لم أقصر في أي شيء بالنسبة
لأولاده ولبيته وكنت أعمل كل ما في وسعي لإسعاده وإسعاد أولادي.
إلى
أن جاء يوم وصارحني فيه بأنه سوف يتزوج هذه السيدة, فنزلت كلماته علي كالصاعقة
وسألته لماذا تريد أن تتزوج هل
ينقصك شيء؟ قال لا.. لا ينقصني شيء سوى أني أريد تغيير حياتي.
وسألني ما هي طلباتك؟ فكان ردي عليه أنا مع أولادي
ولن أتخلى عنهم, وتعجبت لأحوال الدنيا الغريبة, زوجي الذي بلغ الخمسين من
العمر يريد حياة جديدة ويدوس على كل شيء من حب وعشرة سنين طويلة وأولاد كالزهور
يحتاجون للعناية كي تتفتح ورودهم في جو نقي, ولم أطلب منه أي شيء سوى المحافظة
على كرامة أولادي وألا يعرفوا شيئا وبرغم هذا فوجئت وأنا معه في شهر رمضان من
العام قبل الماضي بأنه ذهب إلى المأذون وقام بتطليقي غيابيا ودون علمي ورضاي,
وطوال شهر رمضان كان يجلس معنا بالمنزل يفطر ويتسحر من عمل يدي والحياة تمضي هادئة
دون أي مشاكل ولا منازعات إكراما للشهر الكريم ولا نتحدث طوال هذا الشهر عن هذا
الموضوع, فأقول لنفسي أنه قد تراجع عما كان ينوي أن يفعله ولكنه كان قد رتب كل
شيء مع هذه السيدة, فطلقني وأعطاها قسيمة الطلاق لكي تطمئن على ما طلبته منه,
وهو أن يطلقني أولا ثم يتزوجها.
فكان قد طلقني ويعيش معنا طوال شهر رمضان دون أن يظهر عليه أي
ندم أو خوف من عقاب الله الذي لا يغفل ولا ينام .. حتى جاء عيد الفطر وسافرت مع
أولادي في رحلة إلى شرم الشيخ كنا قد حجزنا فيها مع النادي التابع لنا وعرضنا عليه
أن يذهب معنا ولكنه أعتذر بسبب مرض والده وطلب منا أن نذهب وحدنا ونستمتع بأوقاتنا.
وبعد عودتنا من هذه الرحلة كانت الأمور طبيعية ولم
يظهر عليه أي شيء, ولم يصارحني بأي شيء كأنه لم يفعل شيئا.
وبعد العيد وعودة الدراسة إلى الانتظام فوجئت بعد
رجوعي من عملي بتليفون من شخص يدعي أنه المأذون, يقول لي إن ورقة طلاقي عنده منذ
شهر وأنه يجب علي أن أذهب إلى العنوان الذي أعطاه لي وهو مكتب المأذون لكي أتسلم
ورقة الطلاق, فنزل الكلام علي كالصاعقة وشل تفكيري كيف أكون مطلقة وزوجي نائم
بجواري كل ليلة, وكيف يكون قد طلقني وهو يعيش معي, وقد أوصلني صباح هذا اليوم
نفسه إلى عملي, كيف وكيف وكيف؟ أشياء كثيرة كانت تدور برأسي ولم أجد لها إجابة
إلى أن ذهبت إلى عنوان المأذون الذي أعطاه لي الشخص المكلف بتبليغي من قبل هذه
المرأة اللعوب التي حطمت حياتي.
وبالفعل تسلمت ورقة طلاقي أو شهادة وفاتي المؤقتة.
ما الذي فعلته لأستحق
هذا من الرجل الذي أعطيته عمري وحياتي وحبي وشبابي وصحتي؟ واستسلمت للأمر الواقع..
واحتضنت أبنائي وركزت عليهم كل اهتمامي وتزوج الرجل الذي كان زوجي من هذه المرأة
اللعوب فلم تدم العشرة بينهما سوى شهرين متقطعين.. والآن وبعد سنة ونصف السنة
يندم ويريد أن أسامحه مثل زمان, مع العلم أنها مازالت في عصمته حتى الآن بحجة
أنه لا يستطيع أن يتخلص منها, لأنها قيدته بأشياء كثيرة أكبر مما في طاقته,
وهما الآن منفصلان دون طلاق ويقيم هو في منزل والدته بعد وفاة والده ويريد أن يعود
لمنزله الهادئ وعشه القديم, ويطلب أن أسامحه على ما فعله, لكن دموعه لم تخدعني
هذه المرة ولم يرق قلبي لما يقوله بأنه ندم وأفاق من سباته العميق ويريد العودة
للبيت والأولاد, وأنه قد خدع وخسر كل شيء في حياته من بيته إلى زوجته إلى أولاده
واحترامهم له واحترامه لنفسه.
لم أنكر أن أولادي في
احتياج إلى أبيهم, ولكني لا أتخيل أيضا أن أعيش مرة أخرى مع هذا الرجل المخادع
الناكر للجميل الرافض للنعمة التي كان فيها والذي مازال خنجره مغروسا في رقبتي,
ودمي ينزف كلما فكرت في هذا اليوم الأسود. إنني أتمني الموت على أن أعيش معه
يوما واحدا من عمري.
إنني عاجزة عن التفكير
فهل أعطيه أولاده لكي يتحمل مسئوليتهم في هذه السن الحرجة؟ لكني لا أأتمنه عليهم
لأنه للأسف لا يعرف معني تحمل المسئولية.
هل أحتفظ بأولادي وأعيش لهم رغم الضغط المادي
والمعنوي الكبير علي, لقد حصل ابني رغم المحنة التي كنا فيها على الثانوية
العامة والتحق بالجامعة والتحق بالكلية التي يريدها, وكان هذا بمثابة نجاح كبير
بالنسبة لي, وابنتي الصغرى نجحت بتفوق لم تحققه من قبل عندما كان والدها معنا,
وهذا فضل من الله عز وجل وتوفيق منه ومكافأة لي علي صبر السنين لأني الحمد لله
مؤمنة وراضية بكل ما يقدره لنا الله سبحانه وتعالى وأحمده على كل شيء, كما أنني
لا أفكر في الزواج مرة أخرى برغم ما عرض علي من عرض جيد للزواج, فلقد كرهت بفضل
زوجي السابق أن أكون زوجة لأي رجل في العالم.. فبماذا تنصحني أن أفعل؟!
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
لا أحد يستطيع أن يجبرك على قبول عودة زوجك السابق إليك وإلى بيته القديم وأبنائه مادمت لا تجدين في نفسك القدرة على معاشرته مرة أخرى, كما لا يستطيع أحد أن يلومك على ذلك أيضا, فلكل إنسان قدرته التي لا يستطيع تجاوزها على الاحتمال.. ولا يكلف الله نفسا في النهاية إلا وسعها, لكنك لو أردت ذات يوم وبعد أن تخمد نيران الغضب في أعماقك ضد زوجك السابق أن تسعدي أبناءك بعودة أبيهم الذين يحتاجون إليه, كما تقولين في رسالتك.. فلا بأس في هذه الحالة بتطبيق منطق النفس بالنفس والعين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص, على غريمتك في هذه القصة المؤسفة.. وكما اشترطت هي عليه أن يقدم لها ورقة طلاقك مهرا لها وقربانا قبل الزواج منه فلتشترطي أنت أيضا, ومهما تكن الأعباء المادية التي ستترتب على ذلك أن يقدم لك زوجك السابق ورقة طلاقها البائن هدية صلح متواضعة لك لكي تقبلي بمجرد الحديث معه عن شروط عودته إلى حياته السابقة. فهذا هو أقل ما يكفر به
عن غدره بك وخداعه لك وانصرافه عنك إلى أخرى بعد عشرة السنين .. فلكل خطأ يرتكبه الإنسان
ثمنه الذي ينبغي أن يتحمله بشجاعة وألا يتهرب من أدائه.. ولقد أخطأ زوجك السابق
في حقك وفي حق العشرة والأبناء والذكريات المشتركة خطأ جسيما لا تغسله مياه البحر,
ليس فقط حين غدر بك على غير انتظار, وإنما حين رضي لنفسه أن يعيش إلى جوارك شهرا
أو أكثر وأنت مطلقة منه سرا, ولابد له من أن يتحمل ثمن خطئه راضيا إن أراد
الإصلاح حقا, أما عودته إليك الآن وهو لم يطلق بعد زوجته الأخرى تحسبا لأعباء
الطلاق المادية, كما يقول .. أو أملا في عودة المياه إلى مجاريها معها ذات يوم
بعيد أو قريب, فليس من الحكمة ولا من العدل في شيء.. إذ يعني ذلك أن تستأنفي
حياتك الزوجية معه.. وذيول المشكلة الأساسية التي هدمت سعادتك مازالت قائمة وتهدد بالانفجار من جديد
في أي مرحلة من العمر.
فراجعي نفسك يا سيدتي فيما تختارين لحياتك.. ولا
تتسرعي في اتخاذ القرار قبل أن تتأكدي من أنه اختيارك الصحيح وأنك قادرة عليه..
وراضية به.. والسلام.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر