القيود الثقيلة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002

 القيود الثقيلة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002

القيود الثقيلة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002


إن عمر الهوى الجامح قصير مهما طال,‏ لكن تجربة الحياة كثيرا ما تؤكد لنا أن نطح الصخور لا يفتح فيها الثغرات وإنما يدمي رؤوس ناطحيها.

عبد الوهاب مطاوع


أنا سيدة أبلغ من العمر‏45‏ عاما‏..‏ زوجة وأم لابنة عمرها 20 عاما نقيم في محافظة ساحلية‏..‏ وتعمل ابنتي بعد تخرجها في القاهرة بوظيفة مرموقة وتحصل على مرتب عال والحمد لله‏..‏ وهي تسافر بين مدينتنا والقاهرة لتذهب إلى عملها‏..‏ وفي إحدى المرات وخلال عودتها من القاهرة إلى مدينتنا تعرفت على شاب بالمصادفة يبلغ من العمر‏ 28 عاما‏,‏ ويعمل بوظيفة مرموقة ومركزه الاجتماعي جيد‏,‏ وما أن تعرفت عليه حتى بدأت الاتصالات بينهما على المحمول وتوثقت العلاقة إلى أن فاتحها برغبته في الزواج منها وصارحتني هي بذلك وصارحت أباها ورحبنا بالفكرة‏,‏ ثم جاء هذا الشاب إلى مدينتنا وأتصل بزوجي وطلب منه يد ابنته ووافق زوجي مبدئيا وأشترط عليه فقط أن تقيم ابنتنا بعد الزواج في مدينتنا‏..‏ وألا تنتقل للإقامة معه في مقر عمله ولم يعترض الشاب على ذلك وقال أنه سينقل نفسه في أقرب فرصة إلى محافظتنا‏.‏

 

وإلى هنا وكل شيء جميل وواعد بالسعادة والتوفيق‏,‏ وقد ابتهجنا بسعادة ابنتنا وتعلقها بهذا الشاب‏,‏ غير أن البهجة لم تطل سريعا فلقد صارحتنا ابنتي بعد أيام قليلة من اتصاله بأبيها بأن الشاب الذي أعجبت به وتريد الزواج منه متزوج وله من زوجته خمسة أبناء‏!‏ وقالت أن أبويه قد شجعاه على الزواج وهو طالب بالثانوية العامة لأنه وحيدهما‏..‏ ويريدان أن يكون لهما منه أحفاد كثيرون يشعرونهما بأن لهما عزوة تعوضهما عن عدم إنجاب أبناء غيره‏,‏ لكنه كما قالت ليس سعيدا في حياته‏..‏ وقد أحبها ووجد سعادته معها وأحبته هي أيضا وتعلقت به‏!‏ وذهلت حين سمعت منها ذلك وتعجبت كيف تقبلت هذا الأمر الخطير ببساطة وترغب في الزواج منه‏.‏

 

وناقشتها في ذلك طويلا ونبهتها لما يحيط بها من أخطار في المستقبل‏..‏ ولم تفلح جهودي ولا جهود والدها وأعيتنا كل الحيل معها لتبصيرها بما ينتظرها من مشاكل ومصاعب‏..‏ وبأنها سوف تندم على اختيارها بعد فوات الأوان‏.‏
إنني أخشى في قرارة نفسي أن تكون منساقة إلى هذا الارتباط بدافع الخوف من أن يفوتها قطار الزواج لأنها كانت قد خطبت قبل تخرجها لشاب لمدة‏ 3 أشهر‏,‏ وفسخت هي خطبتها له حين شعرت بماديته وطمعه في مالها‏,‏ كما أخشى أيضا أن يكون للفراغ العاطفي الذي كانت تعيشه بعد فسخ خطبتها أثر في اندفاعها نحو هذا الشاب حيث إنها لم تقترب من أحد على هذا النحو قبل تعرفها بهذا الشاب‏,‏ إنها فتاة طيبة وشكلها مقبول للغاية ودمها خفيف ومعاملتها للآخرين طيبة وتحظى دائما بإعجاب من يتعاملون معها وسمعتها جيدة‏,‏ والفرص أمامها كثيرة فلماذا هذا الاختيار المر‏.‏


إنني ووالدها وشقيقها نعارض جميعنا زواجها من هذا الشاب ونقول لها أنه حرام أن تستولي على رجل من زوجته وأبنائه الخمسة‏..‏ وهي تقول لنا إنها لم تكن تعرف حين تعرفت به أنه متزوج وله أبناء‏,‏ كما أنه كان سيترك زوجته سواء تعرف بها أو لم يعرفها وكان سيترك أطفاله لأبويه لكي يرعيانهم لأنهما يريدان العزوة وقد زوجاه من أجل هذا الغرض‏.‏
كما إنها تريد كذلك أن تتوقف عن العمل وتتحول إلى ربة بيت وتقول إن فتاها موافق على هذا‏..‏ وذلك بعد أن تعلمت وأنفقنا الكثير على دراستها حتى تخرجت وعملت‏,‏ فلماذا لا تستمر في عملها ومستقبلها فيه كبير‏,‏ وتتزوج شابا بسيطا وتحيا معه في أمان؟ وماذا أفعل معها يا سيدي؟

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

الذريعة الأبدية لكل من تسوغ لنفسها الارتباط برجل متزوج وله أبناء واغتصابه منهم‏,‏ هي أنه لم يكن سعيدا في حياته الزوجية لأسباب تتعلق بزوجته الأولى أو ظروف زواجه منها‏..‏ وإنه كان سينفصل عنها إن آجلا أو عاجلا وسواء تعرف بفارسة الحب الجديدة أو لم يلتق بها من الأصل‏!‏ وبالتالي فإنها‏,‏ أي الفارسة‏,‏ لم تكن مسئولة عن انهيار الحياة الزوجية السابقة لمن ارتبطت به ولا عن انصراف رجلها عن أبنائه وزوجته الأولى إليها‏.‏


وكل ذلك ليس سوى من قبيل خداع النفس للتخلص من الشعور بالذنب تجاه الزوجة الأولى والأبناء‏..‏ أو من قبيل الحيلة النفسية الدفاعية التي تلجأ إليها لا إراديا كل من تجد نفسها في هذا الموقف تهربا من الاعتراف لنفسها باغتصابها ما لم يكن يحق لها اغتصابه وبإسهامها الخطير في هدم سعادة الآخرين واشقائهم‏,‏ غير أنها حيلة فاسدة وشديدة التهافت ولا تصمد للنقاش الموضوعي المتجرد من هوى النفس وأغراضها‏,‏ إذ يكفي لدحضها أن توجه ابنتك‏,‏ وكل فتاة تواجه نفس هذا الموقف‏,‏ هذا السؤال البسيط إلى نفسها وتلتمس له الإجابة الصادقة‏:‏
نعم‏..‏ كان هذا الشاب تعيسا بزواجه وأبنائه الخمسة وتزوج إرضاء لأبويه وكان سيهجر زوجته وأبناءه من قبل أن يلتقي بابنتك فلماذا إذن لم يكن قد حسم أمره وصح عزمه على تنفيذ قراره هذا قبل أن تظهر هي في أفق حياته‏..‏ فإذا التقت به بعد ذلك لم يكن لها بحق أي دور في هدم هذه الأسرة الصغيرة ولا في حرمان هؤلاء الأطفال الصغار من أبيهم؟ ولماذا لم يجيء هذا الحسم إلا بعد أن تعرف بها وتبادل معها الحب وتطلع للزواج منها؟‏..‏
وكيف لا تكون مسئولة بشكل أو بآخر عن تعاسة زوجته الأولى وشقاء أبنائه الخمسة الذين سيحرمون من أبيهم وهو الذي لم يحسم أمره بشأن الانصراف عنهم إلا بعد أن أرتبط بها ومن أجلها؟


إن الإنسان قد تراوده الرغبة في تغيير حياته كثيرا وقد تعابثه أحلام اليقظة طويلا بأن يختار لنفسه طريقا غير الطريق الذي يمضي فيه أو اختارته له الأقدار دون أن يجرؤ على التغيير بالفعل إشفاقا على من يعتمدون عليه في حياتهم من تبعاته أو إشفاقا على النفس من تحمل جريرة إيلام الآخرين وإشقاء حياتهم‏..‏ أو إعلاء لسعادة الأبناء على سعادته الشخصية‏..‏ ولقد يمضي العمر كله وهذه الأفكار تراوده من حين لآخر أو كلما ضاقت نفسه فلا تخرج عن إطار أحلام اليقظة والأمنيات المستحيلة‏..‏ إلى أن يجد المثير الخارجي الذي يحسم تردده ويغريه بحسم أمره ويشجعه نفسيا على الإقدام على الخطوة المصيرية فكيف يعفي هذا المثير الخارجي نفسه إذن من المسئولية عن مثل هذا القرار الخطير ولو لم يكن قد ظهر في الأفق من الأصل لما حسم الآخر أمره وأقدم على ما تردد طويلا من قبل أمامه؟


إنها حقيقة واضحة وضوح الشمس ولا جدوى من خداع النفس عنها‏..‏ وهي أن ابنتك هي هذا المثير الخارجي في هذه القصة المتكررة ولسوف تكون‏,‏ وسواء أدركت ذلك أم تغافلت عنه شريكة لهذا الشاب في إشقاء زوجة بائسة وحرمان خمسة أطفال صغار من الحياة الآمنة بين أبويهم‏.‏
فلماذا تقبل لنفسها أن تبدأ حياتها الزوجية بمثل هذه الذيول الطويلة من المشاكل الإنسانية والاتهامات الصامتة لها بالأنانية واغتصاب رجل متزوج من زوجته حتى ولو كان هو الساعي إليها‏..‏ وحرمان خمسة أطفال صغار من أبيهم؟


إن الأبناء روابط أبدية لا انقسام لها‏,‏ وقيود أخلاقية ثقيلة يردها أصحاب الضمائر الحية على نزواتهم وأهوائهم وجموحهم ونزوعهم الغريزي إلى طلب السعادة الشخصية على حساب الواجبات الإنسانية والأخلاقية فكيف ترضى هي لنفسها بأن تتزوج شابا يبدأ حياته الزوجية معها وهو يجر في قدميه هذه القيود الثقيلة‏,‏ كما كان السجناء في العصور الوسطي يجرون أثقالهم معهم أينما تحركوا‏..‏ وكيف تتصور أنه سيخلو لها وجه زوجها وهو مكبل بهذه الأغلال الأبدية التي لن ينجح أبدا‏,‏ حتى لو توهم ذلك‏,‏ في الانصراف عنها بكليته إليها‏..‏
إن عمر الهوى الجامح قصير مهما طال‏..‏ وصغر سنها الآن يصور لها أنها تستطيع التجاوز عن هذه الأغلال والقيود‏,‏ لكن تجربة الحياة كثيرا ما تؤكد لنا عكس ذلك‏..‏ وكثيرا ما تثبت لنا أن نطح الصخور لا يفتح فيها الثغرات وإنما يدمي رؤوس ناطحيها‏..‏ فلماذا تختار لنفسها كل هذا العناء في الحاضر والمستقبل‏..‏ وفي يدها أن تختار لنفسها حياة طبيعية بلا مشاكل ولا أعباء؟


·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2002

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات