بذور الحب .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000
لست أدري بماذا أبدأ
رسالتي .. فأنا مهندس شاب كافح كثيرا حتى حصل على بكالوريوس الهندسة, وكنت أظن
أنه بمجرد تخرجي قد انتهت كل مشاكلي لكنني رأيتها قد بدأت.
لن أتطرق لموضوعات جانبية
حتى لا يضيع مني الموضوع الأصلي الذي من أجله كتبت تلك الرسالة, فأنا شاب ابلغ
من العمر 28 عاما .. من إحدى محافظات شمال الصعيد وكان لي أخ وصديق ورفيق عمر كامل
وإن شئت فقل توءم للروح, كنا دائما معا منذ تفتحت أعيننا على الدنيا, سلكنا
طريقا واحدا وكان هدفنا واحدا .. كان كل منا صورة للآخر يرى فيها نفسه وكان هو
ابن خالي وكان ذلك يتيح لي فرصة الذهاب له في أي وقت
صباحا أو مساء لأن كل من في المنزل إخوة لي لأنني تربيت ونشأت مع أخيهم, وشاءت
الأقدار أن تحرمني من رفيقي هذا فلقد توفي في حادث سيارة في أثناء عودته من عمله
في القاهرة بمدينة السادس من أكتوبر ولا تتخيل عمق الكارثة التي حلت علينا
وقتها, فلقد كان صديقي هذا أكبر إخوته وهو الأب والأخ والصديق لباقي إخوته.
ولصديقي هذا أخت أنهت مرحلة
التعليم المتوسط, كان أخوها هو كل شيء في حياتها لحنانه وعطفه وبعد وقوع الحادث
المؤلم شعرت بأن من واجبي أن أكون دائما مع أسرتي الثانية هذه فلقد كان وجودي
بينهم يخفف عنهم الكثير وأيضا يخفف عني حزني .. فكل منا يحتاج للآخر ليرى فيه
مفقوده .. ونشأت بيننا عاطفة لم تكن موجودة من قبل .. فهم ينتظرونني حتى أعود
من عملي وهو نفس المكان الذي كان يعمل فيه صديقي .. وأنا أيضا أحس باللهفة على
أن أراهم عند عودتي للمدينة وأجد نفسي دائما مشغولا بهم وبأحوالهم كما وجدت نفسي
أيضا أقترب من ابنة خالي وأخت صديقي فهي أكثر إنسانة كنت أرى فيها روح صديقي الذي
فقدته في لحظة وتركني وحدي في طريق لا أدري ما النهاية له وهي أيضا كانت تجد في
أخاها ومحبته وحنانه لها.. وبالرغم من أننا كنا من قبل أخا وأختا فإنني قد وجدت
أن المشاعر والعواطف قد اتخذت شكلا آخر, فكل منا يفكر في الآخر ويأخذ هذا
التفكير حيزا كبيرا من حياته, ولا تظن أن اقترابنا هذا كان من منطلق السعادة
فربما جمعنا بكاء عميق وشوق ولهفة على أخينا الذي فقدناه في لحظة.
ولقد مر على وقوع الحادث ما
يقرب من عام .. وأصبحت الآن الشخص الذي ترى فيه هذه الفتاة حنان أخيها .. كما
نالت هي أيضا من حبي نصيبا وغير أن الأهل والأصدقاء بدأوا يقترحون علي الزواج من
ابنة خالي هذه لأنني أولى الناس بها وهي وأخوتها في احتياج لأن أكون بينهم دائما
ولست أدري ماذا حدث لي وقتها فلقد بدأت أفكر في نوع الحب الذي أحسه تجاهها وهل هو
حب حقيقي أم هو حب صنعته الظروف التي مرت بنا, فأنا أحبها بالفعل وأحبهم لكني لا
أشعر بأن هذا هو الحب الذي يجمع بين الرجل وشريكة حياته .. فلقد كانت لي فتاة
أحلام في خيالي ولها صورة في ذهني لا أجدها في ابنة خالي هذه.
إذن فماذا يكون هذا الحب
الذي يجمع بيننا؟ إنني أخشى أن يكون ما يجمعنا هو حب احتياج كل واحد منا للآخر
ليرى فيه مفقوده .. ولقد صارحت ابنة خالي بذلك الكلام .. وقلت لها إن لها لدي
مكانة لم تصل لها إنسانة من قبل, لكن هذا الحب لا أستطيع أن اتخذ بناء عليه
قرارا بالارتباط بها .. وهي صارحتني أنني بعد وفاة أخيها أصبحت كل شيء في حياتها
لما لمسته في من عطف وحنان عوضها عن فقد أخيها, وأنا الآن في حيرة شديدة ..
أخاف أن اتخذ قرارا بالارتباط بها، لأني لم أفكر في ذلك من قبل ولي مواصفات في
فتاة أحلامي مختلفة عنها وفي نفس الوقت لا أستطيع الابتعاد عنها لأن من واجبي أن
أظل بينهم وهي لها عندي الآن مكانة كبيرة, لكني لا أستطيع أن أقرر الارتباط بها
خوفا أن تكون مشاعري هذه مشاعر أخ تجاه أخت في حاجة إليه.. أنا في حيرة شديدة
مثلها .. وأتمنى أن أسمع نصيحتك فماذا تقول لي؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
الحب دائما تصنعه الظروف, فما وجه العجب في أن يكون الحب الذي يجمع بينك وبين هذه الفتاة وليدا للظروف الإنسانية التي قاربت بينكما وأشعرت كلا منكما باحتياجه إلى الآخر؟إن الحب ليس قرارا إراديا يتخذه الإنسان في لحظة تجل, ولا هو كذلك من اختياره الحر.. وإنما هي مشاعر تلد نفسها بنفسها دون تدخل إرادي من صاحبها أو من الطرف الآخر, فإذا وجدت من الظروف المحيطة ما يساعد على نمو بذورها.. نمت وترعرعت وأزهرت زهورها الفواحة.. وإذا هاجمتها الآفات والظروف المعاكسة فقد تقتلها في أرضها..
وكل الظروف المحيطة بك الآن صالحة لإنبات هذه البذور.. ومد جذورها في الأرض فلماذا تنكص عن رعايتها وخدمتها إلى أن تورق.. وتثمر ثمارها الطيبة بالارتباط بهذه الفتاة؟
إن شكك في أن تكون المشاعر التي تجمع بينك وبين هذه الفتاة من أثر الظروف التي قربت بينكما, لا معنى لها بالفعل كذلك بغير أن ينفض ذلك من عمقها وصدقها.. كما أن شكك في أن تكون مجرد احتياج نفسي من جانب كل منكما للآخر في هذه الظروف الإنسانية لا معني له كذلك, لأن الحب دائما احتياج نفسي للآخر بغض النظر عن الظروف التي أشعلت شرارته, ومحك الاختبار الصحيح لعمق هذه المشاعر وجديتها في قصتك هو أن يستمر هذا الاحتياج النفسي لكل منكما للآخر بالرغم من بعد الذكرى التي قاربت بينكما في البداية.
أما حكاية مواصفات فتاة
الأحلام في خيالك والتي تتعارض مع واقع شقيقة صديقك فهي ليست سببا جادا للتفريط في
الحب الحقيقي الذي تمثله هذه الفتاة في حياتك.. لأن الواقع مختلف دائما عن
الخيال ولأن هذه المواصفات ليس سوى صورة مثالية لفتاة لم تلتق بها بعد ولم تختبر
قبولك لها أو قبولها لك, ولقد تلتقي بمن تتجسد فيها هذه المواصفات فلا ينبض قلبك
لها ولا ينبض قلبها لك.. فلماذا نضيع الحب الحقيقي من بين أيدينا جريا وراء خيال
لم نلتق به بعد وقد نلتقي به فلا تقرب بيننا الظروف وقد لا نلتقي به ذات يوم؟
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2000
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر