الطريق الطويل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

 الطريق الطويل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

الطريق الطويل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986

 إن أول طريق الكفاح إذا كان صعبا وطويلا ومريرا فإنه أيضا الطريق الصحيح رغم كل ذلك فهو سنة الحياة.. أن يبدأ الإنسان صغيرا ثم يكبر وأن ينسج خيوط أحلامه بالعرق والدموع والكفاح المضني لكي يصل في النهاية إلى السعادة! .. ولسوف تصل إليها وتحقق ذات يوم كل أحلامك ويجيء يوم تنظر فيه إلى الوراء وتتذكر بحنين ذكريات هذه الأيام المشحونة بالكفاح وساعتها سوف تتعجب كثيرا من أنك قد فكرت ذات مرة في أن تهدر سعادتك كلها في لحظة ضعف بشرية عابرة.

عبد الوهاب مطاوع


 

سيدي .. أكتب إليك هذه الرسالة من "استراحة" صغيرة في الطريق الذي أقطعه كل يوم إلى عملي الشاق .. فأنا شاب في السابعة والعشرين من عمري تخرجت في كلية الهندسة منذ عامين ، وقبل انتهاء دراستي بثلاثة أعوام ارتبطت عاطفيا بزميلة لي وهي فتاة رائعة جميلة أختار كل منا الآخر وتعاهدنا على أن نكمل معا مشوار الحياة ، ولأنني إنسان مستقيم وواضح فلقد طلبت منها يوم إعلان النتيجة أن تقدمني لأسرتها وزرت الأسرة وتعرفت بالأب والأم والأشقاء واختليت بأبيها وقلت له إنني شاب لا يملك إلا مستقبله واني يتيم لا املك سوى معاش أبي وقد سعيت لهذا اللقاء لکي أدخل البيوت من أبوابها وإني أريد إذا قبلني خطيبا لابنته في المستقبل أن اقرأ الفاتحة معه وأقدم لها دبلة الخطبة وبعد أن اعمل أواصل خطوات الزواج ، فاستمع إلي باهتمام شديد ووعدني بأن يعطيني الجواب بعد عشرة أيام .

 

وعدت إلى بيتي سعيدا وصارحت أمي بما حدث فأنا ابنها الوحيد إلى جانب شقيقتين متزوجتين وأعيش معها في شقة مقبولة .. وقبل انتهاء المهلة بيوم اتصلت بفتاتي لأعرف الجواب فوجدتها حزينة لأن أباها لم يرحب بي؛ وسألت عن الأسباب ، فقالت لي أن وجهة نظر أبيها هي أنني شاب طیب مستقيم لكني لا أملك شيئا ولا أمل لي في إيجاد شقة أو في المساهمة في تكاليف الزواج .

سمعت صوتها الحزين ينعي إلي أحلامي بهذه الكلمات فأحسست بأن الدنيا تدور بي .. نعم لا أمل لي في شقة خلال فترة قصيرة .. لكن ألست إنسانا من حقه أن يكون له عش أحلامه مع الفتاة التي اختارها، كنت غارقا في أفكاري فلم أتنبه إلى صوتها وهي تناديني .. وتسألني هل مازلت اسمعها ، فاسترددت نفسي سريعا وقلت لها نعم أسمعك .. وسأحضر إلى أبيك الآن وأناقشه ، وفي تصميم من يدافع عن حياته أسرعت إلى بيتها. وفوجيء بی أبوها .. فقلت له بلا مقدمات : إنني لم أحضر لأعرف جوابك لأني قد عرفته لكني جئت لأدافع عن حياتی وأملي .. فلقد تخرجت في كلية الهندسة وسوف أجد عملا وسأسعى للسفر للخارج وأنا مرتبط بابنتك ولا أتصور لنفسي حياة بعيدا عنها .. وهي كذلك .. وأنا اعرف عنك أنك أب رحيم وحريص على سعادتها .. فلماذا لا تمنحنا فرصة لكي نحقق أحلامنا معا ؟ .. إنها صغيرة في السن وأنا في مقتبل حياتي ، والحياة ممتدة أمامنا.. فماذا يضيرنا أن نكافح عدة سنوات لبناء بيتنا؟

 

وسمعني الأب وهو متحرج وصمت طويلا حتى أشفقت عليه من حيرته ثم تكلم أخيرا فقال لي إنه يوافق على ارتباطی بابنته بشرط عدم إعلان الخطبة الآن وبشرط ألا أحضر لزيارتها في البيت وأن أبدأ بالبحث عن عمل في الخارج .. وألا أعود إليه إلا ومعي عقد العمل .. فإذا جثت به أعلن خطبتنا وخرجت وأنا لا أدري هل نجحت أم فشلت في تحقيق أحلامي فكيف أجد عملا في الخارج .. وأين هو هذا العقد السحري الذي يفتح لي الأبواب المغلقة.

واستمر اتصالي بها تليفونيا وعرفت منها أن أباها وافق مضطرا لكيلا يكون قاسيا معها .. لكنه مقتنع بأنه لا أمل لنا وأن من الأفضل أن يبحث كل منا عن مستقبله في طريق أخر.. فلم يغير ذلك من تصميمي .. وقبلت عملا بسيطا في مكتب خاص لا يدر علي سوی ۱۰۰ جنيها ورغم شدة حاجتي إلى النقود فقد حرمت نفسي منها وبدأت أدخر حوالی ۱۰۰جنيه كل شهر .. وواصلت رحلة البحث عن العمل فلم أترك شركة لم اتصل بها ، وأحس صاحب المكتب الذي أعمل معه بمشكلتي فسألني عن ظروفي فرويتها له بأمانة فوعدني بتقديمي لمقاول محاجر من معارفه سيعطيني مرتبا أكبر وتسلمت عملا جديدا لديه ب 400 جنيه في الشهر .. وبدأت الكفاح الحقيقي .. فأصبحت أخرج من بيتي في الخامسة صباحا فاركب الأتوبيس إلى ميدان المحطة بالجيزة حيث تنتظرنا سيارة نقل فأركبها إلى موقع العمل ، وهناك اعمل كل شيء وأي شيء .. أشارك في قطع الأحجار.. وأقوم بإصلاح سيارات النقل .. وإصلاح موتورات المناشير التي تستخدم في قطع الحجر.. وأراقب العمال .. واركب سيارة النقل لأحضر المازوت والبنزين الذي يحتاجه العمل .. ثم أعود إلى بيتي في العاشرة مساء لاستلقي على السرير بلا حراك وأنام وفي يوم الجمعة أذهب إلى بيت فتاتی رغم "التعليمات" فلا يجد الأب مفرا من استقبالی فأرى فتاتي ونواصل أحلامنا.

 

 ثم وافق الأب أخيرا على التخلي عن شرط "عقد العمل" وأن أقدم دبلة الخطبة بغير احتفال ، فقدمتها وسعدت أنا وخطيبتي بذلك سعادة كبرى، وواصلت عملي .. وكلما مر شهر وقبضت مرتبی أعطيت أمي جزءا منه ووضعت الباقي في مظروف المدخرات .. وأنا أحسب كم بلغت .. فلا أجد للطريق نهاية لكني لا أفقد الأمل ومن ناحية أخرى فقد وجدت خطيبتي عملا مرهقا بعد اشتغالي بحوالي سنة وبدأت تدخر كل ما تتقاضاه منه لكي تساهم به في مقدم الشقة التي نحلم بها .. وفجأة ونحن نحصي الجنيهات كل شهر .. ونتبادل التشجيع .. تعرضت خطيبتي لتجربة عائلية أثرت فيما بعد على علاقتنا أثرا كبيرا , فلقد عاد قريب لها لم يزر مصر منذ سنوات من الخارج ، وزار بيتها محملا بالهدايا وجلس في الصالون يتحدث بالآلاف .. ويحكي عن الشقة التي حجزها في مصر ودفع ثمنها بالدولارات ثم تساءل فجأة عن الدبلة التي في يدها .. وأبدى دهشته لأنه لم يعرف بخطبتها وأظهر شيئا من خيبة الأمل لأنه كان يعتقد أنها غير مخطوبة !

 

 وبعد هذا اللقاء تكررت زياراته لهم وأحدث ظهوره قلقا في محيط الأسرة لأنه جاء ليقيم في مصر لمدة سنة يحصل خلالها على الماجستير في الطب ثم يعود لعمله .. وقد جاء منتويا أن يتزوج خلال هذا العام ، ويعود بزوجته إلى مقر عمله وتقدم لخطبة خطيبتي .. فرفضت لارتباطها بی ، لكنه أصبح يمثل أمام الأب الحل المثالي لكل المشاكل وصهرني الألم لكني لم أتكلم وآلمني ذات مرة أنها عبرت عن خواطرها بطريقة عفوية فقالت لي ذات مرة لماذا لم تكن واحدا ممن يعملون بالخارج هل من يتزوجون عرسانا جاهزين أفضل أو أجمل مني ؟ ورغم أني متأكد من أنها لم تكن تقصد سوى الفضفضة فلقد حزنت .. وقررت أن أعطيها الفرصة للتتراجع إذا أرادت ليس إشفاقا عليها فقط .. وإنما أيضا لأني قد بدأت أحس باليأس ، فالعمل يزداد إرهاقا .. وظهري أصبح يؤلمني من قلقلة سيارة النقل كل يوم لمدة 3 ساعات ذهابا وإيابا فوق المدق الصحراوي وصارحتها بذلك .. فاتهمتني بالجنون وانصرفت غاضبة ووجدت نفسي لا اتصل بها تليفونيا .. وأتخلف عن الذهاب إليها يوم الجمعة لمدة 4 أسابيع متوالية ، فلم تتصل بي .

 

ومع الأيام بدأت لسعة الألم تخف قليلا لكن صورتها لا تفارقني إلى أن كان يوم ، نزلت فيه من الأتوبيس في ميدان المحطة في الساعة السادسة صباحا لاتجه إلى السيارة فسمعت صوتا ينادينی يا باشمهندس .. يا باشمهندس ، فالتفت ورائی فوجدتها تقترب مني باسمة .. فتوقفت مندهشا ثم أسرعت إليها.. ولم اشعر بنفسي إلا وأنا امسك بيديها مبتهجا وقالت لي أنها تريد أن تذهب معي إلى العمل هذا اليوم لأنها في أجازة .. فقدمتها للعمال وانحشرت في كابينة السائق معي ومعه وانطلقت السيارة بنا والجميع سعداء لسعادتي .. وفي الطريق عرفت منها أن قريبها لم يقتنع برفضها وحاول كثيرا أن يقنعها بعدم جدوى انتظارها لي وابدى استعداده لتلبية كل مطالبها ، وأنها مرت بلحظات لا تنكر أنها راجعت نفسها فيها .. لكنها لم تتردد واختارتنی لنواصل معا رحلة الألف ميل بعد تفكير طويل وقد انتظرت ذهابي إليها من الأسبوع الأول لتصارحني بذلك لكني احتجبت عنها .

 

وأمضيت يوما سعيدا في الموقع وشاركتني العمل بيديها وتناولنا الغداء في استراحة الطريق .. وكان يوما من أجمل أيام حياتي لكن القصة لم تنته بعد يا سيدي فخلال شهر العذاب هذا .. كانت الأفكار السوداء قد أفسدت علي حياتي وتساءلت طويلا ما جدوى العمل إذا كان لا يحقق لنا أهدافنا في الحياة .. إن العمل الشريف شاق ومرهق وعائده قليل ، فكيف يصنع الناس الثروات .. وكيف يدفعون أثمان الشقق وفي هذه الأثناء دعانا المقاول أنا وأربعة من العمال الذين يعملون معه للغداء في بيته في العمرانية بالجيزة بمناسبة نجاح ابنه في الإعدادية وهناك قدمنا لأسرته ومن بينها ابنته الكبرى التي تقترب من الأربعين ودميمة وغير متعلمة .. وفي الصالون المذهب حكي لي قصتها بطريقة خاصة.. وكيف كانت قليلة البخت وتزوجت من ولد ابن حرام وتعذبت معه عشر سنوات أنجبت خلالها ولدين .. ثم طلقها وسافر ليعمل مقاولا للأعمال الصحية في دولة عربية .. ولم يعد من يومها لأنه مدين له بمبلغ كبير من المال فعاشت وحيدة مع ابنيها في المنزل الذي يملكه وهو منزل من دورين .. الخ .

 


 

ولكاتب هذه الرسالة أقول :

لست في حاجة إلى رأيي يا صديقي .. لأنك لست جادا في حيرتك هذه بين فتاتك وبين هذا الحل "السينمائي" لمشكلتك الذي تفكر فيه، فأنت أكثر تمسكا بفتاتك وأكثر رغبة فيها مما يبدو من كلماتك الحائرة في نهاية رسالتك .. لكنك فقط تنتقم منها بأفكارك هذه .. كأنك تريد أن تقول لنفسك : لقد فكرت في اللحظات في أن ترتبط بغیری زهدا في الكفاح .. فلماذا لا أفكر أنا أيضا في الارتباط بغيرها لنفس السبب؟

ولا بأس بذلك في بعض اللحظات فمن حقنا أن نزفر .. وأن نتوجع وأن نصرخ وأن نضيق بأوضاعنا التي تفرض هذا التمزق على الشباب الراغب في تحقيق أحلامه. فتدفعه إلى التساؤل أحيانا عن جدوى العمل الشريف .. لكنه ليس من حقنا أن نحول هذه الزفرات العابرة إلى استسلام لحلول انهزامية كهذا الحل الذي فكرت فيه، أو إلى كفر بقيمة العمل الشريف الجاد

وقيمة الكفاح من أجل بناء المستقبل ذلك أن هذا الحل ليس فقط حلا انهزاميا لكنه أيضا حل "انتهازی" تبيع فيه أحلامك بلا ضرورة وبلا ثمن أيضا !.. إذ ماذا يربطك بهذه السيدة لكي تفكر في التخلي عن خطيبتك والاقتران بها ؟

لا شيء بالتأكيد .. فلا حب .. ولا ماضی مشترك ولا اهتمامات متبادلة ولا تقارب ثقافي واجتماعي .. ولا حاضر جميل ولا مستقبل واعد بالسعادة , فماذا إذن يغريك بها؟

الشقة والاستقرار المادي؟ إنك لا تكافح من أجل جدران الشقة الصماء.. وإنما من أجل شقة تجمع بينك وبين فتاتك التي تنصهر نفسك ألما إذا تصورت فراقها، فإذا كانت المسألة مسألة شقة فأنت تقيم مع والدتك وحدكما وتستطيع إذا أردت اختصار الطريق أن تتزوج فتاتك في شقتها كما يفعل كثيرون من الشباب الآن، وإلى أن تنجح في الحصول على مسكن مستقل.

 

أما الاستقرار المادي فسوف تصل إليه من غير هذا الطريق فأنت شاب مكافح وإرادتك قوية.. ومثلك يحقق أحلامه بساعده وليس بالزواج من سيدة ليست من عالمه ولا يجمعها به سوی رغبته في اختصار الطريق ولو أردت أن أروي لك عن تجارب مماثلة لم تورث أصحابها سوى التعاسة لما اتسعت المساحة لذلك. لكنى سأقول لك فقط أنك لست في ظروف تبرر لك أن تتصرف بطريقة أنا الغريق فما خوفي من البلل لأنك لست في حاجة ملحة إلى الزواج لمجرد الزواج .. وإنما أنت في حاجة إلى الزواج ممن اخترتها واختارتك ومشيت على طريق الأشواك من أجلها وهي فتاة تستحق أن تكافح من أجلها وتمثل بالفعل شبابك وأحلامك.. وبراءتك وكفاحك الشريف أما الأخرى فلن تكون سوی رمز لانهزامك وانهيار أحلامك - ثم عفوا - وانتهازيتك أيضا كما أنك أيضا تظلم فتاتك بتصور أنها قد ضعفت أمام الإغراء.. ولو أرادت أن تضعف حقا لاستجابت للحل الجاهز وتخلت عنك بلا ندم لكنها لم تفعل ذلك وجاءتك تسعى بابتسامة سعيدة لكي تواصل الكفاح معك فكيف يليق بك وأنت الشاب الأمين المكافح أن تحطم أحلامها على هذا النحو؟

إنني مازلت أعتقد أن هذا التردد ليس سوى سحابة عابرة سوف تنقشع سريعا إن لم تكن قد اختفت بالفعل.

 

ولقد وضعت أقدامك على أول الطريق فإذا كان صعبا وطويلا ومريرا فإنه أيضا الطريق الصحيح رغم كل ذلك وهو سنة الحياة.. أن يبدأ الإنسان صغيرا ثم يكبر وأن ينسج خيوط أحلامه بالعرق والدموع والكفاح المضني لكي يصل في النهاية إلى السعادة! ولسوف تصل إليها وتحقق ذات يوم كل أحلامك ويجيء يوم تنظر فيه إلى الوراء وتتذكر بحنين ذكريات هذه الأيام المشحونة بالكفاح وساعتها سوف تتعجب كثيرا من أنك قد فكرت ذات مرة في أن تهدر سعادتك كلها في لحظة ضعف بشرية عابرة.

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1986

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات