زهرة العمر .. رسالة من بريد الجمعة عام 1988
أكتب إليك لأني في حاجة لمن يشير علي بالرأي السليم رغم كثرة من حولي من الأهل والأصدقاء ، ولن أقص عليك قصة حياتي كلها لكني سأبدأ من اللحظة التي عدت فيها من الخارج حيث كنت أستكمل دراستي ومعي الشهادة التي اغتربت من أجلها . . ومعي أيضا ً زوجة أجنبية جميلة تعرفت بها هناك وجمع الحب بين قلبينا وتزوجنا .
كان زواجي من أجنبية مفاجأة لأهلي لأنني لم أبلغهم به فلم يتقبلوا الأمر بسهولة في البداية ثم بدأوا يتقبلون الوضع تدريجيا ًويتعاملون معها بشكل طبيعي كواحدة من أفراد الأسرة وساعدت شخصيتها المريحة على ذلك .. فهي ودود وتثق في الناس وتحب أسرتي .. وبعد أسابيع من عودتي استأجرنا شقة في أحد أحياء القاهرة البعيدة عن الزحام وظهرت مواهب زوجتي في تنسيقها وتجميلها بأبسط الأشياء حتى تحولت إلى واحة يشعر من يدخلها بالراحة والهدوء ، ومضت حياتنا جميلة يظللها التفاهم ولمسات الحب الرومانسية الرقيقة حتى حملت زوجتي وأنجبت طفلتين توءما ًفي غاية الجمال أخذتا عن أمهما الشعر الأصفر والعيون الملونة وبمجيئهما اكتملت سعادتي وأصبحت رعايتهما هدف حياتنا وحكاياتهما مصدر تسليتنا ومتعتنا . . خاصة بعد أن درجتا على الأرض وتكلمتا .. وكانت زوجتي تحرص على أن تختار لهما ملابس متماثلة تبدوان فيهما آيتين في الجمال .. ومضت حياتي هادئة سعيدة وكنت أعطي زوجتي معظم دخلي لتنفق على الأسرة وكانت هي حسنة التدبير تجيد التصرف ولا تنفق قرشا ً في غير موضعه ، لكنني مع اقتراب الطفلتين من سن الالتحاق بمدرسة الحضانة .. بدأت زوجتي تناقشني في أمر لم يكن ضمن اتفاقنا وهو أن نعود معا ًإلى بلدها بحجة أن تربية الطفلتين هناك ستكون أفضل ، ولم أرحب بالفكرة لأنني كنت حريصا ً على أن تنشأ الطفلتان في مصر ، وتتلقيا تربية شرقية سليمة وسط أهلهما حتى لا تضيع شخصيتهما في مجتمع أجنبي غريب ولم أكن في ذلك متجنياً على زوجتي لأننا اتفقنا على ذلك عند الزواج ولأن هناك حلا ً ملائما ًهو أن نعيش معا ً في بلدي وتسافر زوجتي ومعها طفلتاي كل سنة في أجازة لكيلا تنقطع صلتها بأهلها . وعرضت عليها ذلك فاقتنعت بعد تردد ثم توقفت عن الحديث في الموضوع تماما واسترحت إلى أنها قد نسيته تماما ً وعدت للاستمتاع بالجو الأسري الجميل الذي نعيشه واعتزمت أن أرتب لها أول أجازة في الصيف القادم بعد شهرين ، وذات يوم عدت من عملي فلم أجد زوجتي في البيت .. ودخلت غرفة الأطفال فوجدت إحدى طفلتي تجلس على الأرض وسط لعبها تلهو بها ويبدو من منظرها أنها تلعب وحدها منذ فترة فتوجهت إلى المطبخ لأحضر لها شيئا تأكله فلمحت على سرير الطفلة الأخرى ورقة صغيرة مكتوب عليها هذه العبارة بخط زوجتي " آسفة لم أقتنع بكلامك لذلك فقد قررت الرحيل إلى الأبد ومعي إحدى طفلتي وتركت لك الأخرى لكي تربيها التربية الشرقية التي تريدها ثم التوقيع ! " وجن جنوني .. هل معقول أن تحرم أم ابنة من أبيها وشقيقتها لأي سبب وهل الأطفال تركة يمكن تقسيمها وأسرعت أجري كالمجنون إلى المطار لعلي الحق بها وأقنعها بالعودة أو بترك ابنتي إن كانت لا تريد الحياة معي . . فلم ألحق بها .. ورحت أفتش بين قوائم الركاب المغادرين .. فوجدتها قد سافرت منذ ساعات ومعها طفلة في الثالثة من العمر هي ابنتي ! وعدت حزينا منهارا ً إلى البيت فوجدت طفلتي تبكي من الجوع فاحتضنتها وأعددت لها طعامها وأنا لا استطيع أن أقاوم دموعي .. ورحت أرقبها وهي تتناول طعامها وأسأل نفسي بمرارة كيف هان على أمها أن ترحل بعيدا ً عنها وأن تحرمها من توأمتها وهما لا تنفصلان عن بعضهما لحظة واحدة .. وماذا جنيت لكي أتعرض لهذه المحنة .. وأنا لم أخالف عهدا ً ولا ميثاقا ً ولم أطلب من الدنيا سوى حقي المشروع في الحياة السعيدة ، وبت ليلة لم تغمض لي فيها عين وقررت أن أسافر على الفور إلى البلد الذي تعلمت فيه .. لأسترد زوجتي وأذكرها بما جمع بيننا من حب وعشرة جميلة أو لأسترد ابنتي إذا رفضت زوجتي العودة لكي تنشأ مع شقيقتها ، وركبت الطائرة إلى بلدها وأسرعت إلى بيت أسرتها ففوجئت بهم لا يعرفون شيئا عن ابنتهم ولا يحركون ساكنا للبحث عنها كأن الأمر لا يعينهم في شئ وعدت محطما ً يائسا ً وعشت أيامي مكتئبا ً حزينا ً وكلما رأيت ابنتي تذكرت أختها التي لا أعرف أين هي .. ونسيت رجولتي وانسابت دموعي وتشاور الأهل في مأساتي ثم طالبوني بالزواج من أخرى لكي ترعى ابنتي وأكدوا لي أنهم سيختارون لي زوجة مصرية تعرف طباعنا وتربي ابنتي التربية السليمة .. لكني رفضت الفكرة ورفضت الزواج من أخرى نهائيا ًوقررت أن أتفرغ لابنتي وعملي وأن أحاول أن أعوض بهما ما خسرته في هذه التجربة الأليمة .. وأحضرت لابنتي مربية طيبة كبيرة السن لكي تتكفل برعايتها .. وأصبحت أنا عمليا ً الأم والأب لابنتي بعد أن لم يعد لها في الدنيا غيري .
ومرت السنوات .. وأنا لا أنسى ابنتي الغائبة وكيف أنساها وشقيقتها صورة أخرى منها تتحرك أمامي وكنت أستخبر السنين فأخمن أنها لابد الآن في السنة الأولى الثانوية حين تصل ابنتي المقيمة معي إليها .. ولا يخفي عليك أنني كثيرا ً ما واجهت لحظات حرجة مع ابنتي التي تحتاج إلى أم تستشيرها في بعض الأمور التي لا يفيد فيها الأب .. فكنت أضيق بما صنعته بي زوجتي .. ثم أعود إلى طبيعتي وأواصل حياتي وأتعجب لماذا لا تفكر في إرسال بطاقة بريد كما يفعل الغرباء حين يتعارفون لكي أعرف منها أخبار ابنتي .. ولماذا لا تتصل تليفونيا لتطمئن على ابنتها وقد حرصت على عدم تغيير رقم التليفون طوال هذه السنوات لعلها تتصل يوما ً بابنتها . . أو تسمع صوتها فترق لها وترسل صورة لأختها ؟ .. لكن السنوات مرت .. والبريد لا يحمل أية رسالة . والتليفون لا ينقل خبرا ً منها ، وتفرغت لابنتي فأصبحنا أصدقاء وتفرغت لعملي فحققت فيه تقدما ً كبيراً ، ثم رن أخيراً جرس التليفون منذ أسابيع قليلة وفوجئت بزوجتي تقول لي بصوت مختنق إذا كنت تريد أن ترى ابنتك فانتظرها بالمطار بعد غد لقد أرسلتها إليك وحددت لي الموعد ورقم الرحلة وطلبت مني أن أرفع لافتة من الكرتون تحمل اسمي لكي تتعرف علي ابنتي وقبل أن أعرف منها أية تفاصيل كانت المكالمة قد انتهت وانقطع الاتصال وأنا لا أصدق نفسي من الفرحة ، ومضت الساعات بطيئة في انتظار الموعد وفكرت في أن أصطحب ابنتي معي إلى المطار لكي تستقبل شقيقتها العائدة بعد 16 عاما ً لكن شيئا ً بداخلي وسوس لي أن أذهب وحدي وأن أترك ابنتي في البيت لكي تكون المفاجأة بالنسبة لها أخف وأرحم ، وذهبت إلى المطار ووقفت بين المستقبلين ممسكا ً بورقة عليها اسمي بالإنجليزية ورحت أفحص الوجوه وأنا انتظر اللحظة الحاسمة التي ستتقدم مني فيها فتاة جميلة باسمة مترددة لتسألني في خجل هل أنت أبي ؟ فأفتح ذراعي لها وتكون هي إجابتي على سؤالها ومر أمامي عشرات من الركاب والسياح .. ولم يتقدم مني أحد سوى راكب مصري اقترب مني وسألني بلكنة أجنبية هل أنت السيد فلان ثم طلب مني الدخول معه إلى الدائرة الجمركية لإنهاء بعض الإجراءات فدخلت معه ووجدت في يده أوراقا ً اطلع عليها ضابط الأمن فسمح لي بالدخول وهو ينظر إلي صامتا ً وبغير أن يطلب بطاقتي فهل تعرف ماذا كانت هذه الأوراق ؟ لقد كانت أوراق تسلم الصندوق الذي جاءت داخله ابنتي التي عشت السنوات الطويلة انتظر رؤيتها .. وانتهت الإجراءات ولا أعرف كيف انتهت ولم أعد إلى الشقة التي تنتظرني فيها ابنتي وإنما إلى بيت أهلي لنرتب المراسم الحزينة ، وحين عدت في آخر الليل إلى مسكني وجدت ابنتي ساهرة تنتظر فقلت لها إن شقيقتها لم تعد على الطائرة الموعودة وفي اليوم التالي انتهى كل شيء وبعد أيام جاءني الراكب المصري الذي طلب عنواني ونحن في المطار ليحدثني في أمر هام وعرفت منه أنه يعيش مع زوجته في نفس المدينة التي تقيم فيها زوجتي وأنهما صديقان حميمان لها ولابنتي الراحلة وأن ابنتي كانت بلغت السنة الأولى من دراسة الطب وأنها مرضت منذ سنوات بمرض لعين وأن زوجتي قد حافظت لابنتي على دينها وعاشت لها ترعاها وتهتم بها وبعد أن أصيبت بهذا المرض اللعين بدأت تفكر في العودة إلي .. وتحدثهما بأنها ظلمتني وأنها عزمت على العودة لكنها انتظرت علاج ابنتها وحين حم القضاء أحست بالحزن والضياع وقررت أن يكون مثواها الأخير في بلدها .. فأرسلتها لي وكلفت هذا الصديق الذي يزور مصر بعد فترة غياب بأن يرافقها ليتعرف علي ّ ويبلغني بالنبأ الحزين .. وأنها بعد كل ما جرى تطلب مني أن أسامحها وأن أسمح لها بالعودة لكي ترى ابنتها الأخرى التي أصبحت الآن طالبة جامعية وتسألني هل أصفح وأنسى . فوجدت مأساتي تصحو داخلي من جديد .. ووجدت نفسي حائراً هل أقبل عودتها وأنسى كل ما فعلته بي وأنا أشعر بأنها سبب موت ابنتي التي حرمتني منها 16 عاما أم أرفض وأواصل حياتي كما عشت بعد أن انقضت زهرة العمر في المعاناة والآلام ؟ لقد وعدته بالتفكير والرد ولم أتوصل لقرار بعد فبماذا تنصحني ؟
** ولكاتب هذه الرسالة أقول :
لا أنصحك يا سيدي بقبول عودتها إليك ولا برفضها نهائيا ً وإنما أنصحك أولا ً بأن تسمح لها بزيارتك ورؤية ابنتها الوحيدة ، فتصبح فترة وجودها عن قرب أفضل اختبار لمدى استعدادك للصفح والنسيان وأفضل اختبار لمشاعرك القديمة تجاهها ، فأنت لا تستطيع أن تحكم على غائب ولا تستطيع أن تستشف صدق ندمها أو صدق رغبتها في التكفير عن جرائمها بمجرد رسالة أرسلتها إليك بعد غياب 16 عاما ً تطلب فيها الصفح ، لهذا فأنت في حاجة إلى هذه الفترة الضرورية لتعرف ما إذا كنت على استعداد لأن تنسى جرائمها الإنسانية في حقك وحق ابنتيها أم لا . فسجل جرائمها في حقكم جميعا لا تغسله سوى مياه البحر ، والغدر بك رغم بشاعته ليس أكبر جرائمها وقد كانت تستطيع أن تطلب الانفصال والعودة لبلادها على أن تستمر الصلات الإنسانية بينكما فتزور ابنتيها وتزورانها ، لكن أكبر جرائمها في رأيي هو ما ارتكبته بحق ابنتيها على السواء إذ حرمت ابنتها التي استلبتها معها من حقها المشروع في أن تعرف أباها وشقيقتها وأن تتمتع بمشاعرهما الحميمة تجاهها ولم تسمح لك برؤيتها إلا وهي في رحلتها الأخيرة إلى موطن أبيها .. أما ابنتها التي خلفتها وراءها فقد حرمتها هي الأخرى من حقها الإنساني في أن تعرف أمها ، وشقيقتها الوحيدة وأن تستمتع بحنانهما ودفء مشاعرهما ، فاقتسمت ابنتيها بينكما كأنهما متاع يمكن اقتسامه ، ولم ترق مشاعرها لابنتها التي تركتها ورائها كل هذه السنوات ولم تحن إلى سماع صوتها في التليفون مرة .. ولم تبعث إليها برسالة بريد واحدة وحين بدا أنها قد تنبهت أخيرا ً لواجبها تجاه ابنتها المغتربة معها كان الوقت قد فات ، وكان اللقاء الحزين بينكما في المطار فأي أمومة وأية إنسانية هذه ؟ إنني لن ألوم ابنتك إذا تلمست مشاعر البنوة في قلبها تجاه هذه الأم فلم تجدها ، لأن الأمومة والأبوة لا تخلقهما شهادة الميلاد وإنما تغرسهما الرعاية والحنان والمسئولية والعطاء فأين نصيب ابنتك من كل ذلك ، ولماذا لم تتفجر مشاعرها تجاهها إلا بعد أم هوت فوق رأسها مطارق الحياة تذكرها بمن ظلمتهم وباعدتهم بلا سبب ، إنني لا أريد أن أغلق في وجهها أبواب الرحمة فمن يدري لعل المحنة القاسية التي عاشتها قد فجرت ينابيع الخير داخلها فندمت وصدق ندمها ، وأبواب السماء مفتوحة دائما ً لقبول توبة التائب بشرط أن تكون صادقة . .
لهذا فأنت وحدك الذي تستطيع أن تحكم على صدق ندمها وصدق رغبتها في التكفير عن جرائمها .. وأنت وحدك من يستطيع أن يعفو أو يتمسك بحقه في القصاص العادل ويرفض العفو ، وليس من حق من أدمى بوحشية قلوبنا بلا مبرر أن يتساءل وأين الصفح والنسيان ، وإلا كان من حقنا أن نسأله نحن أيضا ً وأين كانت الرحمة .. وأين كان العدل !
فإذا كنت إنسانا ً كبير القلب وقادرا ً على العفو ، فلتفعل النفس الجميل لأنه خير وأبقى .. وليس هناك أجمل من العفو عند المقدرة ، وإذا كنت غير قادر عليه فلا جناح عليك ولا لوم فليس نسيان وقع الخناجر المسمومة مقدور كل إنسان .
وفي كلا الحالين لا تقطع شعرة الاتصال والرحمة بينها وبين ابنتها فهذا حق ابنتك عليك قبل أن يكون حق زوجتك . ومن عانى يا صديقي مرارة الحرمان من فلذة كبده أجدر بألا يرضاه لغيره حتى ولو كان ظالما ً أهدر زهرة العمر في المعاناة والآلام . مع الاحتراس كل الاحتراس من أن تحاول تكرار لعبتها القديمة مع ابنتك الوحيدة .
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر