بحر الكراهية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000
لا حصاد للعشرة السيئة إلا
اختزان المرارة وترسبها في الأعماق وتحولها مع مر السنين إلى كراهية متأصلة لا
يجدي معها نصح ولا حديث ! .. إذ ماذا ينتظر العشير الذي لا يتفاهم مع شريكة الحياة
إلا بالضرب المبرح الذي يترك آثارا على الجسد والوجه لعدة شهور سوى أن تنطوي له
زوجته علي ما يشبه الحقد المكظوم الذي ينتظر تغير الظروف لكي ينفجر في وجهه معبرا
عن نفسه بلا حرج ولا تجمل؟
عبد الوهاب مطاوع
كتبت إليك
منذ ثماني سنوات ولم تجد رسالتي فرصة النشر، والآن أعاود الكتابة مرة أخرى عسى أن
تشر رسالتي هذه المرة .. فأنا سيدة في الخامسة والأربعين من عمري تزوجت منذ21
عاما من إنسان توسمت فيه أن أجد لديه كل ما تمنيته في الرجل .. فلقد كانت طفولتي
تعيسة للغاية فقد رحلت أمي عن الحياة وأنا طفلة لا يزيد عمرها على عام ونصف
العام، وتقلبت بي الحياة بين أيدي 8 زوجات أب كان لكل منهن أسلوبها معي ووجدت
منهن ما جعلني أكره حياتي وأتطلع لمغادرة بيتي إلى بيت زوج يعوضني عما عانيته في
حياتي من شقاء، وتزوجت أول من طرق بابي، واصطدمت بعد زواجي منه بشخصيته التي
تختلف عن شخصيتي في كل شيء، فهو من النوع العنيف الذي يعالج أموره بالضرب،
وكثيرا ما كان ضربا مبرحا يترك آثارا تستمر لعدة شهور على وجهي وجسدي، وفي خلال
عامين أنجبت منه طفلين وأنا كارهة ومن أجلهما احتملت الحياة مع رجل لم أعد أطيق
عشرته وأصبح وجوده في البيت كابوسا ثقيلا وكرهته كل الكرة، فلم يكن بيننا ذات
يوم حوار إلا وانتهى بالضرب والشتم والسب.
ولقد
أصبحت أكره ملامح وجهه لم أعد أنظر إليها منذ 15 عاما .. ولقد اضطررت "وليسامحني
الله في ذلك" أن أنفصل عنه وأنام في حجرة أطفالي منذ سنوات بعيدة لكني بالرغم
من ذلك لم أكن أرفضه إذا دعاني، وكانت هذه هي أكثر أوقاتي عذابا ومعاناة.
ومضت
السنوات بخيرها وشرها فلم أستطع العودة إلى حجرة نومي أبدا .. ولقد حاول هو كثيرا
إعادتي إليها وفشل، فأسلوبه لم يتغير والحياة معه حرمان من كل شيء، وكلما
طلبنا منه شيئا ضروريا تكون الإجابة هي الضرب، وكلما ضربني كرهته أكثر حتى أصبح
كرهي له بلا حدود، ولم يكن لي خيار في استمرار الحياة معه، فلقد كان من
المستحيل أن أعود إلى بيت زوجة الأب مرة أخرى، وإمكاناتي لا تسمح لي بالعيش
وتحمل مسئولية أبنائي، ولقد كان من رحمة ربي بي أنه كان كثير السفر في عمله .. فصبرت على حياتي معه حتى كبر أبنائي والتحقوا بالجامعة منذ عامين.
والكارثة الآن هي أن زوجي قد ترك العمل وتفرغ للجلوس في البيت وأنا لم أعد أتحمل وجوده المستمر فيه لكرهي الشديد له، ولا أعرف لماذا لم يطلقني وقد طلبت منه الطلاق مليون مرة .. ونوبات الاكتئاب لم تفارقني منذ زواجي، وقد مرض زوجي أخيرا بمرض معد عن طريق الدم وأكد لي الطبيب ذلك، وزوجي دائم الشجار معي لهجري له وأنا زوجة لا تستطيع أن تكون زوجة لكرهها الشديد لزوجها.. فماذا أفعل في مشاعر الكراهية هذه وهي لا حيلة لي فيها لأنها حصاد رحلة العمر المريرة.
إنني أتمنى
أن أعيش مع أولادي وحدي وأن يتركني ذلك الرجل ويبحث لنفسه عن زوجة أخرى، فقد ضاع
عمري معه في حياة خالية من كل معنى السعادة .. ولا أمل لي في الحياة الآن إلا في
الانفصال عن زوجي لأنني لا أريد أن أراه أو أسمع صوته وأكره كل شيء فيه منذ 15
عاما كاملة!
وإنني
أسألك يا سيدي: أليس من حقي أن أحيا ما بقي لي من عمر بدون هذا الرجل فأتنفس
الصعداء وأتخلص من الاكتئاب الذي يخيم على حياتي؟!
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
لا حصاد لمثل هذه العشرة السيئة إلا
اختزان المرارة وترسبها في الأعماق وتحولها مع مر السنين إلي كراهية متأصلة لا
يجدي معها نصح ولا حديث ! .. إذ ماذا ينتظر العشير الذي لا يتفاهم مع شريكة الحياة
إلا بالضرب المبرح الذي يترك آثارا علي الجسد والوجه لعدة شهور، سوى أن تنطوي له
زوجته علي ما يشبه الحقد المكظوم الذي ينتظر تغير الظروف لكي ينفجر في وجهه معبرا
عن نفسه بلا حرج ولا تجمل .
لقد قلت من قبل إن بعض الزوجات قد تضطرهن
ظروف الحياة والحرص على مصلحة الأبناء إلى احتمال عشرة شريك الحياة والصبر عليها
إلى أن يشب الأبناء عن الطوق وتنتهي الحاجة المادية للزوج، فتنفجر الكراهية
المختزنة في أعماقهن طوال سنوات الصبر والاحتمال، ويقوم حاجز نفسي منيع بين
الزوجة وزوجها تفشل معه كل المحاولات فيعيش الزوجان تحت سقف واحد وقد تحولا إلي
غريبين لا ينطوي أحدهما للآخر إلا علي أسوأ المشاعر، أو تحتمي الزوجة ببيوت
أبنائها رافضة اقتسام الحياة من جديد مع زوجها، أو تصر الزوجة في بعض المضاعفات
الشديدة على الحصول علي الطلاق والانفراد بحياتها دون النظر لأي تبعات تترتب على
هذا الانفصال.
ولا عجب في ذلك إذ ماذا ينتظر العشير ـ زوجا
كان أو زوجة ـ من شريك الحياة إذا هو قهر
إرادته بالحاجة ومصلحة الأبناء سنوات طوالا حين يتحرر الشريك من هذا القيد بنمو
الأبناء ويسترد قدرته على الاختيار.
لقد شرع الله سبحانه وتعالى الخلع للمرأة
التي تعجز عن احتمال عشرة زوجها لكراهيتها الشديدة له حتى ولو لم تنكر عليه خلقا
ولا دينا فرخص لها بأن ترد عليه ما سبق أن أدي إليها من مال وتختلع منه.
ولقد روي لنا الأثر تلك القصة المعروفة عن
امرأة ثابت بن قيس التي شكت إلى الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه أنها تكره زوجها
كراهية شديدة وإن لم تكن تنكر عليه شيئا من خلقه أو دينه فأمرها أن ترد عليه ما
أخذته منه وأمره بأن يطلقها كما روي لنا الأثر أيضا أن الرسول الكريم، صلوات
الله وسلامه عليه ـ قد رق قلبه لرجل انفصل عن زوجته وهو راغب فيها فذهب إليها
الرسول يحدثها في عودتها إليه فسألته علي استحياء: هل جاء شافعا أم آمرا؟
فأجابها بأنه إنما جاءها شافعا وليس آمرا، فأجابته: إذن فلا أعود! فلم
يرغمها الرسول الكريم على ما لا تريده ولم يتهمها في دينها ولا في طاعتها لربها
ولرسوله.
لكن المشكلة لا تتمثل في حقك في أن تتنفسي
الصعداء بعد سنوات الصبر والاحتمال وأن تعيشي مع أبنائك بغير زوجك، وإنما
المشكلة هي كيف يتحقق لك ذلك وأنت بلا مال ولا إمكانات لتوفير المأوى الكريم لك
بعد الانفصال، كما أن زوجك ليس قادرا فيما يبدو لي من أحواله علي أن يوفر لك
ولأبنائك مسكنا مستقلا ويتزوج هو ممن ترضي بمشاركته الحياة في مسكن الزوجية، فما
العمل إذن! هل نطالبه كما تحلم بذلك بعض الزوجات الكارهات بأن يتلطف الزوج
المكروه بالاختفاء من حياة زوجته وأبنائه ويخلي لهم مأواه الوحيد ويبحث لنفسه عن
غرفة في أي مكان ليعيش فيها وحيدا عليلا ما بقي له من عمر لأن زوجته تكرهه أشد
الكراهية ومع استمراره في الإنفاق علي ساكني الجنة التي طرد منها بغفلته وقسوته
وسوء عشرته لزوجته؟وهل يقبل زوجك بهذا الحلم الحسير الذي يراودك ويراود مثيلاتك من
الزوجات الكارهات؟لقد أخطأ زوجك في حقك كثيرا وزرع بذور كرهك له في أعماقك علي مر
السنين، ولكن ألا تستطيعين مادمت غير قادرة على أي حل آخر أن تغالبي نفسك
وتحاولي النظر إلى وجهه الذي كففت عن مجرد النظر إليه طوال السنوات الماضية بنظرة
جديدة خالية من مرارات الماضي وذكرياته .
إن المرض المعدي الذي حدثتني عنه يقدم
الأطباء بحقن الزوجة ومخالطي المريض بمصل يقيهم خطر العدوى منه .. وزوجات كثيرات
يخالطن أزواجهن المرضى بهذا المرض بغير خوف من العدوى بعد المصل؟ فهل فكرت في
التحصين ضده؟
وألا تحاولين مادمت عاجزة عن أي بديل آخر
تحييد مشاعرك تجاه زوجك بما يخفف عنك بعض عناء الحياة ويعينك علي مواصلة أداء
رسالتك مع أبنائك بغير أن تعرضيهم للمتاعب؟
إن الحب لا يشتري ولا يباع وإنما هو شعلة
ذاتية الاشتعال تتطلب دائما رعايتها والحرص عليها لكي ينمو ويستمر لهبها عاليا
ويصمد لرياح الحياة، ولهذا فلست أطالبك ـ وأنت من تحملين لزوجك كل هذه الكراهية
ـ بحبه أو الوقوع في غرامه بعد كل ما جرى منه لكني أطالبك فقط بمحاولة تحييد
مشاعرك تجاهه.. ومحاولة نسيان مرارات الماضي، رفقا بك أنت وبحالتك النفسية
وجهازك العصبي قبل أي شيء آخر، فهل تستطيعين ذلك لكي تخففي عنك ثقل الأيام؟
رابط رسالة محيط الكراهية لكاتبة الرسالة بعد عام
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر