محيط الكراهية .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000

 محيط الكراهية .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000

محيط الكراهية .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000

إن ديننا يفضل التريث في إيقاع الطلاق،‏ ويكره التعجل فيه .. وهذا هو المفهوم من ختام الآية الكريمة من سورة الطلاق "لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا" كما أنه زيادة في الحرص على الأبناء يعتبر الطلاق وقفا مؤقتا لعلاقة تحتاج إلى إعادة النظر فيها وليس حسما صارما لها .. ومن هنا جاءت حكمة بقاء المرأة خلال العدة في بيت الزوجية بعد الطلاق لعل المشاعر تتغير أو لعل الأبناء ينجحون في تحريك قلبي الأبوين وإعادة المياه إلى مجاريها بينهما‏، لهذا فنحن لا نهلل للطلاق بين زوجين يجمع بينهما الأبناء برباط متين وإنما نسلم فقط بالطبيعة البشرية وبأن لكل إنسان طاقته القصوى على التحمل التي لا يستطيع تجاوزها‏.‏

عبد الوهاب مطاوع


أنا صاحبة رسالة بحر الكراهية التي نشرت في بريد الجمعة منذ أسابيع‏ ..‏ وأنا الزوجة التي بحصاد السنين كرهت زوجها ولم تعد تستطيع أن تكون زوجة وكان ردك هو الصبر رغم أن الأولاد وصلوا للجامعة ورغم ما أعاني من آلام نفسية نتيجة إحساسي بغضب ربي حيث أنني زوجة لا تقيم حدود الله مع زوجها أشعر أنني وأنا أنام وحدي كل ليلة أن الملائكة تلعنني حتى الصباح فماذا أفعل وقد فقدت القدرة على غير ذلك منذ عام وبالتحديد منذ آخر مرة قام بضربي فيها أمام أولادي وكانت هذه المرة هي الفاصلة بيننا فازددت بعدا وطلبت منه الطلاق لأنني أكرهه وصارحته بذلك فما كان منه إلا أن قال لي لابد أنك تخططين لحياتك في اتجاه آخر وهكذا أهانني وسكت وأنا على حال من الاكتئاب والتعب النفسي الرهيب‏.‏


وما لا تعلمه يا سيدي من أحوالنا هو أنني موظفة منذ‏ 21‏ عاما وصرفت كل مرتبي خلالها على البيت أي ما لا يقل عن‏ 35‏ ألف جنيه هي مرتباتي في هذه السنين ولم أدخر لنفسي شيئا ولقد خرج هو من عمله وتقاضى مكافأة جيدة فصممت على أن أخذ منه مبلغ عشرة آلاف جنيه وهو جزء بسيط مما دفعته في البيت طوال عمري وأعطاها لي بعد معاناة‏..‏ أما هو فالحمد لله أحواله المادية قد تحسنت جدا بعد خروجه من عمله وبعد أن ذقنا كل ألوان الحرمان لأكثر من خمسة عشر عاما‏..‏ ومنذ شهر تقريبا قام بشراء شقة صغيرة من أجل الأبناء وكل ما أراه الآن أمامي هو الانفصال على أن أقوم بخدمة أولادي في كل وقت يحتاجونني فيه إن وافق هو على ذلك ولم يقم بطردي نهائيا فأنا أتمنى أن يتركني أخدم أولادي على أن أعيش في بيت زوجة أبي وأخواتي ‏..‏ أو يتركني أعيش في الشقة الجديدة مع أحد إخوتي إلى أن يحتاج إلى الشقة أحد الأبناء للزواج فأتركها وأعود لبيت أبي‏‏ أو يعيش هو في الشقة الجديدة ويتركني مع أولادي إلى أن يتزوجوا فأترك له البيت وأعود لمنزل أبي.

 

 فالمهم هو أن أخدم أولادي بأي طريقة وفي كل وقت إلى أن يصبحوا في غير حاجة إلي فأستريح في أي مكان ما بقي لي من عمري والمهم أيضا هو أن أشعر بأن الله راضٍ عني فشعوري بغضب الله والسماء واللعنة علي في كل وقت يعذبني واشعر أنني أموت في كل يوم فماذا أفعل وحالات الاكتئاب لا تتركني‏.‏
إنني أرجوك أن توجه إليه كلمة بأن يطلق سراحي مع إتباع الرحمة معي بأن يدعني أخدم أولادي وألا يحرمني منهم ولسوف يرزقه الله بزوجة تستطيع أن تلبي له احتياجاته التي عجزت أنا عن أن أقدمها له منذ سنوات طويلة‏.‏

                                                        ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

كانت نصيحتي لك يا سيدتي بالصبر ومراجعة النفس أكثر من مرة قبل التسليم بالفشل نابعة من حرصي على أن تبذلي أولا غاية جهدك في محاولة الإصلاح وتحمل ظروفك والاستمرار من أجل الأبناء‏,‏ لكيلا يجيء يوم يحاسبك فيه هؤلاء الأبناء أنفسهم أو يتهموك فيه بالتقصير في محاولة الحفاظ لهم على حياتهم العائلية المستقرة‏..‏ وعلى البيت الذي يهجعون فيه إلى مخادعهم آخر الليل وهم آمنون لوجود أبويهم معهم تحت سقف واحد‏,‏ فهذا هو واجب كل أب وكل أم تجاه أبنائه الذين لم يستشرهم قبل أن يجيء بهم إلى الحياة‏..‏ ولا ذنب لهم في سوء اختياره رفيق حياته‏,‏ فإذا ذهبت الحيلة وعجز المرء في النهاية عن استمرار التحمل فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها‏..‏ وليس لي أو لغيري لومه على ذلك مادام قد بذل غاية جهده لمحاولة إنقاذ السفينة من الغرق بلا طائل‏.‏


أما المسارعة بهدم الأسر الآمنة قبل استنفاد كل السبل الممكنة للإصلاح أو قبل مغالبة النفس طويلا وبإخلاص على التحمل والاستمرار من أجل الأبناء فليس من الدين ولا من الرحمة بهؤلاء الأبناء في شيء‏.‏ فالزواج ميثاق غليظ لا يفضل فكه إلا للضرورة القصوى وبعد العجز التام عن الإصلاح والاستمرار‏,‏ وليس عند أول خلاف أو بادرة زهد في الطرف الآخر مادام هناك أبناء يشقون بانفصال الأبوين‏,‏ ويسعدون باجتماع شملهما أيا كان نوع العلاقة الشخصية بينهما‏.‏
وديننا يفضل التريث في إيقاع الطلاق‏,‏ ويكره التعجل فيه‏,‏ وهذا هو المفهوم من ختام الآية الكريمة من سورة الطلاق لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا كما انه زيادة في الحرص على الأبناء يعتبر الطلاق وقفا مؤقتا لعلاقة تحتاج إلى إعادة النظر فيها وليس حسما صارما لها‏,‏ ومن هنا جاءت حكمة بقاء المرأة خلال العدة في بيت الزوجية بعد الطلاق لعل المشاعر تتغير أو لعل الأبناء ينجحون في تحريك قلبي الأبوين‏,‏ وإعادة المياه إلى مجاريها بينهما‏,‏ لهذا فنحن لا نهلل للطلاق بين زوجين يجمع بينهما الأبناء برباط متين وإنما نسلم فقط بالطبيعة البشرية وبأن لكل إنسان طاقته القصوى على التحمل التي لا يستطيع تجاوزها‏.‏


فإذا كنت قد بلغت هذا الحد الأقصى من قدرتك على التحمل والاستمرار‏,‏ ولم يعد في قوسك منزع جديد فمن واجب زوجك ألا يجادل في تسريحك بإحسان‏,‏ وألا يحول بينك وبين رعايتك أبنائك على النحو الذي يحقق لهم مصلحتهم ويجنبهم بقدر الإمكان الآثار السلبية التي لا مفر منها للانفصال‏.‏

رابط رسالة بحر الكراهية

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2000

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات