موسم الحصاد .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000
ليس
من حق من لم يُشارك في بذر البذور ورعاية النبتة الصغيرة أن يأتي في موسم الحصاد
ليُطالب بنصيبه من ثمارها .
عبد الوهاب مطاوع
أكتب لك رسالتي هذه بعد تفكير عميق ..فأنا رجل في الثانية والأربعين من عمري جئت من قريتي الواقعة في أعماق الجنوب بعد إنهائي الخدمة العسكرية لأبحث عن مستقبلي في القاهرة , وزودني أبي المزارع البسيط برسالة توصية شفوية لابن عم له يقيم بالعاصمة ويملك مقهى صغيراً في أحد الأحياء , وكان معي حين جئت إلى القاهرة 33 جنيهاً لا غير هي كل ما استطاع أبي الطيب أن يوفرها لي وركبت القطار مودعاً بدعواته ودعوات أمي لي بالتوفيق في حياتي الجديدة ..وتوجهت إلى مقهى ابن عم أبي أو عمي كما سوف أناديه وعرّفته بنفسي فرحب بي في فتور وبدا واضحاً من البداية أنني أمثل هماً ثقيلاً أضيف إلى همومه ..لكن ماذا يملك الشاب المنقطع عن أهله سوى أن يبتلع مشاعره ويصبر على مالا يسره ؟ وبعد أيام قليلة استضافني خلالها عمي في بيته وبدأت العمل معه إلى أن أنجح في الحصول على وظيفة , ولفت هو نظري إلى أنني سوف أبيت في المقهى إلى أن تتحسن أحوالي ويصبح في مقدوري استئجار غرفة لإقامتي المستقلة , وأقرضني بطانية قديمة أصبحت هي فراشي وغطائي ومتاعي الوحيد في هذه المدينة القاسية , وبدأت عملي كمساعد جارسون بالمقهى , أقضي يومي كله وجزءاً كبيراً من الليل ألبي طلبات الزبائن ..وأشتري لعمي ما يحتاج إليه , وأُنهي يومي الشاق بمسح المقهى , ثم أفرش البطانية وأُلقي بجسمي المتعب عليها فأروح في نوم عميق 4 أو 5 ساعات على الأكثر ثم يفتح المقهى أبوابه من جديد ويبدأ يوم العمل التالي ..واستمر الحال على هذا النحو عامين تحملت فيهما الكثير والكثير من مناكفات الزبائن عصبية عمي الذي لم يكن يتورع أحياناً عن صفعي امام الزبائن لخطأ ارتكبته عن قلة خبرة ..أو عن جهل ..ولقد بكيت في أول مرة صفعني فيها عمي ..ليس لألم الضرب وحده ولكن لما شعرت به من هوان " وانكسار " وفكرت جدياً في أن أترك كل شيء وأركب القطار عائداً إلى بلدتي وأبي وأمي وأخوتي لآكل الخبز الجاف معهم بدلاً من هذا الذل ..لكني جبنت للأسف عن تنفيذ ذلك ..وكان أكثر ما أضعف عزيمتي هو مقدار الألم الذي سيشعر به أبي إذا عرف بمعاناتي وهو الرجل المصلي الصوام الذي يدعو ربه كل حين بالستر لنفسه ولأبنائه ..وهكذا تحملت ظروفي وصبرت على الأذى , وكان أحد الاسباب التي ساعدتني على الاحتمال هو زوجة عمي الطيبة التي تعطف عليّ وابنتها الكبرى التي كانت في بداية الشباب وتتعامل معي باحترام وتهذيب ..وبعد عامين من هذا الشقاء نقص خلالهما وزني بضعة كيلو جرامات بسبب كثرة المجهود وقلة النوم ..وجدت لنفسي غرفة على سطح بيت قديم بجوار بيت عمي , واشتريت سريراً حديدياً قديماً ومرتبة ومخدة ومائدة صغيرة ومقعداً وبعض أدوات المطبخ القليلة ..وأصبح لي مسكن مستقل في القاهرة الصاخبة ..وبدأت كذلك أكتشف أن عمي لا يعطيني الأجر المناسب لمجهودي الكبير ..كما بدأت أعرف أنه من حقي أن أنام 8 ساعات كل يوم ..ثم أرشدني احد روّاد المقهى للتقدم لمسابقة للعمل بأحد البنوك وساعدني في استرجاع مواد المدرسة التجارية التي درست بها فكانت المعجزة هي انني قد اجتزت الامتحان بنجاح وعُينت في البنك .
وبالفعل لم يسعد عمي بعملي الجديد لأنه سيحرمه من نصف مجهودي معه , لكنني لم آبه لذلك واستمررت في العمل بالمقهى في الفترة المسائية ..وحين قبضت أول مرتب لي جلست إلى المائدة الصغيرة في غرفتي وكتبت لأبي خطاباً قلت فيه إن دعواته الصالحة ودعوات أمي قد أتت ثمارها ..وإنني أصبحت موظفاً محترماً بأحد البنوك الكبرى ولي مرتب إلى جانب عملي الخارجي ..ثم أرفقت مع الخطاب حوالة بريدية بمبلغ 15 جنيهاً .
وبعد عدة أسابيع عدت إلى بلدتي في الجنوب في اول زيارة لأهلي بعد عامين وبضعة شهور وهطلت دموعي وأبي يحتضنني بعنف وأمي تزغرد في وجهي ودموعها تسيل وإخوتي مبتهجون وسعداء بالهدايا البسيطة التي حملتها لهم ..ثم جاء الاهل والأقارب والجيران يرحبون بي ويهنئون بالعودة والنجاح والتوفيق في العمل ..ورجعت إلى القاهرة وأنا أكثر عزماً وإصراراً على أن أبذل كل ما املك من جهد لتحسين حالي ومساعدة أبي ..وكنت خلال وجودي معه قد صارحته بحبي لابنة عمي ورغبتي في الارتباط بها فشجعني على ذلك مؤكداً لي أن والدها سوف يتشرف بمصاهرة موظف محترم وشاب مستقيم وناجح مثلي ..وانه على استعداد للحضور للقاهرة ليخطبها لي ..لكنني اتفقت معه على أن أجس نبض عمي اولاً فإذا وجدت ترحيباً كتبت لأبي ليحضر إلى القاهرة , وفاتحت عمي برغبتي ففوجئت به يرفض بخشونة الموفقة على طلبي ..ويذكرني بقلة إمكاناتي وكثرة اعباء أبي إلخ ... وصدمت صدمة أخرى شديدة وامتنعت منذ ذلك اليوم عن العمل بالمقهى في المساء ..وعلمت من عامل المقهى أن زوجة عمي قد عاتبت زوجها على رفضه لي لأني شاب طيب ومن لحمه ودمه وسوف اصون ابنتها أكثر من غيري ..فلم يغير رأيه .
وتفرغت لوظيفتي ..ثم بدأت بمساعدة الموظف الذي أعانني على العمل بالبنك في ممارسة تجارة العملة وكانت وقتها ما زالت محظورة رسمياً ولست أخجل الآن من الاعتراف بذلك لأنها كانت تجارة مثل أي تجارة ..وقد تغيرت القوانين بعد ذلك وسمحت بها ..وخلال ثلاث أو أربع سنوات كانت احوالي المادية قد تحسنت كثيراً وانتقلت من غرفة السطح إلى شقة معقولة بالبيت نفسه وتحسّن مظهري الخارجي ..وانتظمت في إرسال الحوالات البريدية لأبي وفي زيارة أهلي كل سنة .
كما لم أنقطع عن زيارة عمي في المقهى من حين لآخر ..وزيارة زوجته وأولادهما , وفي إحدى زياراتي هذه فاجئني بأن طلب مني تهنئة ابنة عمي على خطبتها لتاجر ميسور الحال من معارفه ..فهنأتها وفي قلبي غصة لا يشعر بها أحد .
وانفجر بركان الغضب في داخلي ليس من عمي ولكن من الظروف القاسية التي تحرم الانسان من تحقيق آماله في الحياة وتحول هذا البركان على طاقة هائلة على العمل لتحسين أحوالي وإشعار عمي بأن الصغير قد يكبر وأنه قد خسر صهراً وزوجاً لابنته كان يمكن ان يتشرف به لو كان قد صبر قليلاً عليه ..
وازداد نشاطي في تجارة العملة كما تاجرت في السلع المعمرة ..أشتريها من تاجر تعرفت عليه وأبيعها لموظفي البنك البنوك المجاورة ولزبائن المقهى بالتقسيط المريح وبهامش ربح رحيم ..وفي اول الشهر أطوف على المشترين لتحصيل الأقساط ..ثم توسع نشاطي أكثر فشاركت هذا التاجر نفسه في تجارته بعد أن أقرضته مبلغاً كان في حاجة إليه ..
وبعد أربعة أعوام أخرى رغب هذا التاجر في التقاعد بعد أن بلغ السبعين وليس له ولد يواصل تجارته من بعده لأن كل ذريته من البنات المتزوجات , فدفعت له الثمن الذي قدّره بالتقسيط وأصبح معرض الأدوات المنزلية ملكاً خالصاً لي ..وحافظت على وظيفتي بالبنك إلى أن انتهيت من دفع الأقساط , ثم استقلت وتفرغت لتجارتي وكان قراراً جريئاً مني لكني أقدمت عليه معتمداً على ربي ثم ثقتي في نفسي ..وأنهى أخي الأصغر دراسته المتوسطة ورغب في المجيء للقاهرة فاستدعيته وكلفته بالعمل معي , وتركت له شقتي القديمة الصغيرة وانتقلت إلى شقة أفضل وازداد حجم تجارتي بعد عمل أخي معي ..وازدادت أرباحي فاشتريت بعد ثلاثة أعوام محلاً آخر قريباً من محلي وكتبت لشقيقي 25 % من ملكية تجارته مقابل أن يديره ويحافظ عليه ..وجاءني دعاء أمي وأبي لي بالستر والصحة عبر التليفون شكراً لي على ذلك ..
ورأيت أن العمر يجري بي فتزوجت من كريمة تاجر من معارفي واستقرت حياتي ..وساعدت أبي في زواج الشقيقتين ..وشعرت بالرضا عن نفسي لذلك ..وجاءني شقيقي ذات يوم ليقول لي في خجل إنه معجب بفتاة تعمل في محل تجاري نتعامل معه ويفكر في خطبتها لكنه يخشى ألا أوافق على ذلك لأنها من أسرة بسيطة ..فقلت له على الفور : وهل كانت هناك أسرة أكثر بساطة من أسرتنا ؟
أخطبها على بركة الله وأنا معك قلباً وقالباً فالسعادة لا تتحقق بالمال وحده ! فلم أدر إلا وهو ينحني على يدي ليقبلها قبل أن أسحبها مستغفراً ربي ..ومُقبلاً شقيقي في جبهته .
وفوجئت بعد خطبته بأيام بعمي يزورني في محلي غاضباً ومعاتباً ومتهماً إياي الجحود وإنكار فضله عليّ , لأني لم أوجه شقيقي لخطبة ابنته الثانية بدلاً من تلك الفتاة الغريبة التي لا تليق أسرتها اجر كبير مثلي !
وقلت له في هدوء إنني لا أستطيع إرغام شقيقي على شيء لم يرده من تلقاء نفسه ..وأن زواج الغرباء لا شيء فيه مادام يحبها وتحبه , ومنعني أدبي من أن أذكره بأنه قد سبق له أن رفض يدي الممدودة إليه وفضّل عليّ هؤلاء " الغرباء " بسبب فقري وقلة حيلتي حينذاك .
وتزوج شقيقي وكانت الايام السابقة لزفافه من أسعد أيام عمري فقد اجتمع فيها أبي وأمي وشقيقتاي وزوجاهما وأبناؤهما ..ونزل الجميع ضيوفاً عليّ ..وكعادتنا في بلدتنا أحيينا الليلة السابقة للزفاف في مسكني نغني ونطبل احتفالاً بالعريس بين زغاريد أمي والشقيقتين وزوجتي وابتهاج أبي وافتخاره بي ..فلم أشعر بنفسي إلا وأنا أمسك بالعصا وأدعو شقيقي للتحطيب معي كما كنا نفعل ونحن طفلان صغيران ونروح ندور حول بعضنا البعض وهو ممسك بعصاه وأنا بعصاي وسط فرحة الأهل بنا ثم ننهي التحطيب بالعناق الحار .
وفي اليوم التالي زُف لعروسه وسعد بحياته وشاركني الجميع الفرحة , ما عدا عمي الذي لم يحضر الزفاف ومنع أسرته من المشاركة .
أما أبي وأمي فلقد " اعتقلتهما " في بيتي شهراً كاملاً بعد الزفاف في حين رجعت الشقيقتان إلى بلدتنا ..ولم أسمح لأبي وأمي بالعودة إلا بعد أن ألحا عليّ كثيراً برغبتهما في ذلك , وصحبتهما إلى القطار وقطعت لهما تذكرتين بالدرجة الاولى المكيفة وقلت لأبي إنه قد عمل كثيراً وشقى طويلاً وإنني أريد منه ألا يعمل بعد الآن في حقله الصغير أو حقول الغير , وإنما يؤجر بضعة القراريط التي يملكها لأحد الاهل البسطاء ويستمتع هو بالراحة والجلوس امام البيت وشرب الشاي والتسامر مع أصدقائه ومحبيه ..في الصباح ..وفي الأصيل ..بعد أن أكرمني ربي وأغناه هو عن أن يواصل العمل وهو في شيخوخته .
وركب أبي وأمي القطار وهما يدعوان لي بالستر في الدنيا وفي الآخرة .
ولقد أطلت عليك كثيراً وأشعر الآن بأنني يجب أن أُنهي خطابي هذا بالوصول إلى المشكلة التي دفعتني للكتابة لك .. فالمشكلة هي أن ابنة عمي التي أحببتها في بداية كفاحي بالقاهرة والتي حرمني منها والدها – سامحه الله – قد ترملت منذ عامين بعد أن مرض زوجها – يرحمه الله – قبل وفاته بعدة سنوات بمرض خطير استنزف معظم ماله ..ثم رحل عن الحياة تاركاً لها ثلاثة أبناء ..وغرقت هي في مشكلات عديدة مع إخوته حول ما تبقى من ميراث ..وتدخلت أنا لديهم لمساعدتها على الحصول على حقها فلم تحصل إلا على أقل القليل ..
ومنذ وفاة زوجها ..وعمي يُكثر من زياراته لي ..واسترجاع ذكريات بدايتي معه كأنما يقول لي إنه لولا أن ساعدني وأتاح لي فرصة العمل معه , لما وصلت لما وصلت إليه الآن .
ثم فاتحني بعد ذلك صراحة في أن من " واجبي " أن أستر ابنته وأتزوجها على زوجتي لكي أرعى أبنائها وأحميهم من غوائل الدهر لأن العمر قد تقدم به ويريد أن يطمئن على ابنته قبل مجيء الاجل المحتوم وإذا لم " أستر " أنا ابنته وأحمها فمن ذا إذن الذي يسترها ويحميها وهي من لحمي ودمي ..ولوالدها حق عليّ ؟ !
ولست أنكر عليك أنني شعرت في بداية حديثه معي بشيء من الاضطراب , لكني سرعان ما تمالكت نفسي وأدركت أنني مقبل على طريق صعب قد يؤثر على حياتي وتجارتي وعملي , فأنا مستقر في حياتي الزوجية ..ولي من زوجتي طفلان ..وهي سيدة فاضلة وطيبة وأم حنون على أبنائها ..وتحب أهلي وتحترمهم , ولم تشعرني ذات يوم ببساطة أسرتي بالمقارنة بأسرتها ..ولقد رضيت بحياتي معها وإن كانت مشاعري تجاهها مختلفة عن مشاعر الحب العنيف الذي شعرت به تجاه ابنة عمي في شبابي ..فهي مشاعر هادئة لا لوعة فيها ولا وجد ..لكنها وفرت لي الاستقرار والأمان ..وأطلقت قدراتي على العمل حتى حققت أكثر مما كنت أتمناه لنفسي من نجاح مادي ..وتأمين للمستقبل وحياة كريمة لأسرتي ولأهلي ..وبفضل حكمتها اشتريت شقة جميلة ..وأصبح لنا شاليه في الساحل الشمالي وسيارة فاخرة ...ورصيد محترم ..لكن عمي من ناحية أخرى يُلح عليّ برغبته ويكثر من دعوتي للغداء في بيته وتشارك زوجته الضغط عليّ , وابنة عمي تبدي تجاهي اهتماماً شديداً وحنوا زائداً .. ويدور الكلام خلال جلساتنا حول حق الرجل في الزواج من اثنتين وثلاث وأربع بدون أن يعني ذلك أي ظلم للزوجة الأولى ..إلخ !
وبعصبيته المألوفة يكاد عمي يفقد صبره عليّ في أحيان كثيرة و "يتشاجر " معي لترددي في تلبية مطلبه باعتبار ذلك " ديناً له " عليّ ويجب سداده وإلا كنت جاحداً وناكراً للجميل ! خاصة أن أحواله المادية الآن سيئة وأحوال ابنته كذلك .
وقد لاحظت أنني قد تأثرت في الفترة الأخيرة بهذا الضغط واضطربت أحوالي بعض الشيء ومازلت غير قادر على مواجهة عمي بالرفض القاطع أو القبول الصريح ..علماً أن زوجتي لن تقبل بزواجي بابنة عمي بأي حال من الأحوال ..وسوف تتمسك بالانفصال إذا أقدمت عليه ! وإنني أرغب في مساعدة عمي بالفعل لكنه لا يخفى عني في الوقت نفسه ما في إلحاحه عليّ بالزواج من ابنته من " طمع " في ..وضغط عليّ باتهامي بالجحود وإشعاري بأنني لست " أصيلاً " مثله وهو الذي احتضنني وأخذ بيدي حين جئت للقاهرة ..فماذا تقول لي ؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
قيل في وصف الصحابة الأكرمين – رضوان الله عليهم - أنهم كانوا " يكثرون عند الفزع ...ويقلون عند الطمع " بمعنى أنهم كانوا يظهرون عند الشدة ..ويختفون عند توزيع الغنائم ! فإذا كان عمك يتحدث عن " الأصالة " فهذا هو أحد أهم معاييرها ...أما أن يرفضك بخشونة وأنت شاب مكافح ويفضل عليك من هو أقدر منك مادياً على توفير الحياة اللائفة لابنته مذكراً أو " معيراً " إياك وهو الأصح بفقرك وقلة إمكاناتك وسوء أحوال أبيك المادية وكثرة أعبائه , فإذا شققت طريقك في الحياة وعبرت امواجها المتلاطمة بنجاح إلى شاطئ الأمان المادي ..جاءك معاتباً إياك لانصراف شقيقك عن التفكير في خطبة ابنته الصغرى ومغرياً لك في المرة الثانية بالزواج من ابنته الأرملة زاعماً لك أن نكوصك عن ذلك أو ترددك إزاءه يُعد نقصاً في أصالتك أو نخوتك أو وفائك له , فليس ذلك من المنطق أو العدل في شيء كثير أو قليل ..ولا تفسير لابتزازه النفسي لك بتهمة الجحود سوى أنه يستخدم كل ما هو متاح له من أسلحة عاطفية لإحراجك وتحقيق ما قد أصبح يرى فيه الآن أنه في مصلحة ابنته الأرملة ومصلحته , بغض النظر عن عدالة ذلك أو منطقيته ..إذ كيف يكون " رد الجميل " الذي يتوهمه هو بأن تعرض حياتك العائلية المستقرة للاضطراب ..وأطفالك الصغار للتمزق بين أبويهم ؟
إن هناك وسائل عديدة لرد الجميل ..إذا كان ثمة " جميل " لكنه ليس من بينها بكل تأكيد أن تضحي باستقرار حياتك العائلية وربما العملية كذلك لكي تثبت لعمك أنك مازلت على عهد الوفاء مقيم ..أو أنك مازلت الشاب الأصيل الذي كنته .
فالحق أنك كذلك بغير حاجة لإيلام زوجتك ..وتعريضها وأبنائك للمعاناة , كما أنك لست في حاجة لإثبات أصالتك هذه لأحد خاصة هذا العم الذي لم يكن هو نفسه على قدر الرجاء فيه حين جئت إلى القاهرة شاباً غريباً حائراً لا عون له ولا سند سواه .
ويكفي تماماً لإثبات أصالتك أنك كنت ومازلت نعم الابن البار بأبويه وإخوته كما كنت ومازلت أيضاً نعم القريب الذي لم ينقطع عن عمه بالرغم مما لاقاه منه .
فإذا كان عمك يعتبر نفسه مساهماً فيما حققته من نجاح مادي في الحياة العملية , فإن أهم أسباب نجاحك العملي وتوفيقك في الحياة إلى جانب إرادتك القوية وصبرك على المكاره وكفاحك المرير – في تقديري – هو برك بأهلك وإعانتك لأبيك وإخوتك على امرهم وعدم تنكرك إنسانياً لهذا العم بالرغم من كل شيء , فأي دور إذن لعمك هذا فيما حققت من نجاح ؟ وأي دين له عليك يستوجب سداده أن تفقد زوجتك تمزق أطفالك وتحرمهم من النشأة الآمنة بين أبويهما ؟
إن عمك يستغل فيك يا صديقي أصالتك وحرصك على الوشائج العائلية وعليه بالرغم مما لقيت منه من عنت بلغ في بعض الأحيان حد صفعك على الملأ وعدم الترفق بك في ضعفك وقلة حيلتك .
ولقد أخطأ تقدير قدراتك ومميزاتك في البداية ويريد الآن أن يعوّض بعض ما أضاعه على ابنته بسوء التقدير وخطأ الحسابات ..ولقد قلت من قبل إنه ليس من حق من لم يُشارك في بذر البذور ورعاية النبتة الصغيرة أن يأتي في موسم الحصاد ليُطالب بنصيبه من ثمارها , فإذا كانت احوال ابنته المادية ليست على ما يرام الآن فإنك تستطيع إعانتها على أمرها ببعض زكاة مالك كما تستطيع أيضاً إعانة أبيها إذا شاء ذلك بإقراضه ما يقيله من عثرته ..أو حتى بتوجيه بعض زكاتك له إذا كان مستحقاً لذلك والأقربون اولى بالمعروف دائماً من غيرهم , لكنه ليس من العدل والحكمة أن تكون إعانتك لها بالزواج منها وتعريض حياتك العائلية والعملية للخطر والاضطراب ...ولقد قلت في رسالتك إن مشاعرك تجاه زوجتك تختلف عن مشاعرك السابقة تجاه ابنة عمك حين رغبت في الارتباط بها وإن مشاعرك تجاه الأخرى في بداية الشباب ..ولقد فات عليك إدراك قيمة هذه المشاعر الهادئة نفسها ومدى عمقها وتغلغلها في النفس والوجدان ..
فالمشاعر الهادئة ليست سطحية ولا ضعيفة الأثر في نفس من يحملها .. وإنما هي تيار متصل يتسم بالاستمرارية والثبات على خلاف المشاعر الفوارة التي قد ترتفع إلى الذرى العالية في بعض المراحل ثم تخمد وتهبط إلى سطح الفتور بعد حين ..وأكثر قصص الزواج نجاحاً وتوفيقاً واستمراراً إنما اعتمدت على مثل هذا التيار الهادئ المتصل من المشاعر , أكثر مما اعتمدت على الفوران العاطفي المتأجج دوماً بين الحدة والخمود .
إنها مشاعر ينطبق عليها المثل الانجليزي القائل : " ببطء .. ولكن بثقة !" ..فلا تستهن بهذه المشاعر أو بعمق تأصلها في أعماقك , فلسوف تكتشف بعد فوات الأوان أنها الأكثر دواماً واستمراراً من تلك المشاعر الملتهبة التي تفور فورانها وتخمد بعد حين , واحرص على زوجتك وأطفالك وحياتك العائلية المحترمة والمستقرة , واعتذر لعمك بحسم عن عدم قدرتك على تلبية مطلبه بالزواج من ابنته راجياً لها السعادة والتوفيق مع من تلائمها ظروفه ..ولا يجيء ارتباطه بها وإنقاذه لها من مشكلتها على حساب أسرته واستقرار حياته ..وشكراً لك على ما في رسالتك القيمة هذه من جوانب إيجابية وإنسانية تُعلي من قيم الكفاح والإرادة والبر بالأبوين والأهل .
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر