بعض البشر
ينظرون إلى الحياة بعين صياد، يتحين الفرص للانقضاض على فريسة، يحقق من ورائها
طموحه الماديى أو يحل بها بعض مشاكله .. وآفه هذا الصنف من البشر أنه يتوسل دائما
لتحقيق أغراضه الوضيعة هذه بأنبل ما فى الحياة من قيم ومعان ومشاعر
إنسانية، ينتحلها أو يدعيها، فيسئ إليها أبلغ الإساءة حين ينكشف الزيف ويسقط القناع، ويتشكك الأبرياء الضحايا فى هذه القيم الإنسانية نفسها .. وليس فيمن إدعاها وحده فى
عمرة تأذيهم,بما تعرضوا له من غش وخداع! وتزداد ساحة القبج فى الحياة بما يورثه
المخادعون لضحاياهم منسوء ظن بالأخبار إلى جانب الأشرار.
عبد الوهاب مطاوع
أنا فتاة ابلغ من العمر 27 عاما، بدأت قصتي التي أكتب لك عنها برحيل أبي فجأة عن
الحياة، منذ حوالي 3 سنوات وهو في الثالثة والخمسين من عمره وفي قمة نشاطه
وحيويته .
ولأن أبي كان شخصية عامة، ويشغل منصبا حساسا ومهما فى الدولة .. وكان على الناحية
الشخصية إنسانا عظيما وحنونا وصديقا لأبنائه، فلم يقصر يوما في حقنا .. ولم
يضايقنا مرة واحدة، ولم يدعنا ننام متكدرين ذات مرة .. وقد افتقده كل من عرفه وعمل
معه، وقال عنه الجميع إنه قد عاش حياته نظيف القلب واليد واللسان .
ولن أطيل عليك في الحديث عن هذه الفترة من عمري، ولكني أقول لك إنني عقب رحيله عن
الحياة، فقدت توازني لأقصى حد ، مع أني الفتاة الجامعية الجميلة المحبوبة من
الجميع والمتفوقة رياضيا وذات الشخصية القيادية .. وكنت قد عشت فترة الدراسة
الجامعية دون أن أسمح لنفسي بالدخول في أية علاقات عاطفية، ورفضت خطابا يسيل لهم
لعاب فتيات أخريات .. فرفضت ابن السفير، وابن الوزير، وغيرهما .. وكان منطقي فى ذلك
هو أنني لن أتزوج إلا من أقع في هواه ويملك علي نفسي .
ولأنني رومانسية الطبع أكتب الشعر، وأعزف الموسيقى، وأبكي مع أفلام فاتن حمامة
القديمة، وبكيت لرحيل الموسيقار عبد الوهاب عن الحياة .. فلقد حلمت بفارس شهم قوي يحبني
وأحبه، ويحنو علي ويحميني ويريدني لشخصي وليس طامعا في فائدة أو طموح يتحقق
له من وراء منصب أبي الكبير .. ولقد ظهر هذا الفارس في حياتي عقب رحيل أبي عن
الحياة، وكان زميلا لي في العمل فارع الطول، تقرب إلي بعد الوفاة بشدة، وملت
إليه .. وأسمعني الكلام الجميل الذي كانت روحي تهفو إليه، وراح يسهر الليالي يحدثني
في التليفون عن تعلقه بي وكيف أنه إنسان محظوظ ؛ لأنه قد عثر أخيرا على فتاة
جميلة ومتدينة ولم تصاحب شابا قبله .. وكان يبكي لبكائي حين أفتقد أبي ويعدني
بتعويضي عن حنانه الذي فقدته، ويؤكد لي أن أمنية حياته الوحيدة هي أن يتزوجني لكن مشكلته هي الإمكانيات المادية ؛ لأن أهله لن يساعدوه في الزواج "كما
قال"، مع أنه ابن ناس محترمين ولديه شقة كبيرة في ضاحية راقية وسيارة .
ولأنني كنت قد تعلقت به بشدة .. فلقد هونت عليه الأمر وشجعته على التقدم لخطبتي، مع وعدي له بأن أذلل كل الصعاب .. وبالفعل فلقد تقدم لأهلي ورفضوه للوهلة الأولى، بدعوى أنه " ولد غير مريح " وبدعوى أن " من يشترى رخيصا فإنه
يبيع أرخص " ! لكني لم استجب لأحد فى ذلك وصممت على قبوله، وتمت الخطبة
بالفعل، وأرغمت والدتي على أن تكمل له ثمن الشبكة اللائقة بي وأنفقت كل ما معي
من مال على شراء الأثاث المناسب .
وخلال مرحلة الاستعداد للزواج، بدأت ألمس بعض بوادر البخل والتقتير في شخصيته، ولكني لم أتوقف عندها طويلا وفسرتها بقلة إمكانياته والتمست له العذر فيها بأنه في
مرحلة التكوين وصعوبات البداية .. ومضيت في طريقي سعيدة ووجدتني أتساهل معه في كل
شئ كأنني منومة مغناطيسيا لإرادته .. بعد أن تعودت عليه وأحببته بكل كياني ومشاعري
.
وجاء موعد الزفاف فأقمت حفلا رائعا، لم يسهم هو فيه إلا بأقل القليل .. وانتهى
الفرح البهيج .. وأنا في قمة السعادة والفخر بالفارس الذي أحببته وفرضته على أسرتي، وأغلقنا علينا باب غرفتنا، فإذا بشخصية أخرى مختلفة تماما عن شخصية الفارس الذي
أحببته تظهر للوجود .. وأنا مازلت بفستان الزفاف، وإذا بأول عبارة يقولها لي هي :
إيه شكلك المقرف ده ؟!
ارتج علي الأمر للحظات .. ولكني تمسكت بالحلم الجميل ففسرت هذه العبارة بإرهاقه
من حفل الزفاف .. ولكن ما حدث في الأيام التالية لم يؤيد ذلك، فلقد بدأت ملامح
الشخصية الأخرى في الظهور واحدا وراء الآخر .. كأن شخصا راح يخلع قناعا يرتديه فوق
وجهه ببطء، فتظهر خلفه ملامح وجهه الحقيقية تدريجيا .. وبدأ يهينني ولا يتعامل معي
إلا بالإهانة والعنف، حتى في لحظاتنا الخاصة منذ الأيام الأولى، وراح يسألني على
الفور عن مجوهراتي وميراثي هكذا "عيني عينك" ويحاول الاستيلاء على كل ما
لدي من مال ولم يمضي على زواجنا أسبوع أو أسبوعان ؛ حتى كرهت نفسي وكرهت الدنيا، وبدأت أتناول المهدئات وأنا مازلت في شهر العسل .. كما بدأ الخوف منه يساورني حين
راح يحدثني حديثا غريبا عن الموت، " يبشرني " بأنني سأموت قريبا، ولن يرثني
؛ لأنه لا يعرف شيئا عن مالي وميراثي من أبي .. ولا بد أن يعرف كل شئ تحسبا للظروف، ثم يسألني أين أفضل أن أدفن بعد وفاتي ؛ لكي ينفذ رغبتي ووصيتي حين يوافيني
الأجل المحتوم .. حتى تملكني الخوف منه وخشيت أن يفعل بي شيئا.
وتفاقم الأمر بيني وبينه بعد ذلك حين مد يده إلى بمبلغ من المال كان في درجي، وحين واجهته بذلك كاد يضربني .. فكانت هذه هي ليلتي
الأخيرة معه في عش الأحلام التي لم تتحقق به .. وأمضيت الليل كله أبكي وأصلي إلى أن طلع الصباح، فغادرت بيت الزوجية بعد 35 يوما فقط من الزواج ورجعت إلى أمي
باكية ومنهارة، فاحتضنتني وهدأتني .. ولم يتخل الله سبحانه وتعالى عني بعد ذلك، فلقد وقف إلى جواري الأهل وأصدقاء والدي الذين ساءهم ما تعرضت له .. وتم الطلاق
وتنازلت للفارس السابق عن كل شئ، ووجدت نفسي مطلقة وأنا أقترب من السادسة
والعشرين من عمري، وتساءلت بعد أن أفقت من هذا الحلم الحزين عما جرى لي .. وأين
الخطأ فيما فعلت وأنا لم أتزوج شابا من الشارع أو شابا لا أعرف جذوره العائلية، وإنما تزوجت شابا جامعيا والده له مكانته الاجتماعية ووالدته من أسرة كبيرة .. فأين الخطأ إذن في الاختيار وكيف كنت أستطيع أن أتصور أن فى الحياة نماذج واقعية
لما كنا نراه فى الأفلام القديمة من شخصية " الشرير " الذي يرفع حاجبه الأيسر
لأعلى، ويقول لأصدقائه أنه سيتزوج فلانة لكي يجردها من كل ما هو أمامها وخلفها .. وقد كنت أظن أنه لا وجود له إلا في الأفلام .
لقد علمت بعد الطلاق أنه كان يقول لأصدقائه عني قبل الخطبة أنني بالنسبة إليه
" فرصة " وأن " أبو سلطة " يقصد أبي الذي كان يمكن أن
يخشاه رحل عن الحياة ولم يعد هناك ما يمنعه من تحقيق مأربه ؛ لأن " البنت
وارثة وتحبني " .. وهكذا كان الحب والهيام والبكاء معي على التليفون كله من
تكتيك الأفلام الرديئة، فكيف كان لي أن أتخيل شيئا من ذلك يا سيدي وقد عشت في بيئة عائلية لا تضمر شرا لأحد وتعاملت مع أصدقاء وزملاء دراسة وعمل، يخشون الله .. ويجلون الحلال ويحرمون الحرام ؟
لقد مضى الآن عام مرير على طلاقي من زواج لم يدم سوى 35 يوما .. وقد رفضت العودة
إلى عملي السابق حتى لا تكون لي صلة بالفارس القديم سامحه الله فيما فعل بي .. وانتقلت إلى عمل آخر وارتقيت فيه والحمد لله، وقد دخلت مجتمع عملي الجديد وأنا أخفى عن الجميع حقيقة أنني مطلقة، ليس خجلا من الطلاق .. لأن كل صديقاتي وأهلي
يعرفون به، وإنما لأنه ليس من المنطقي أن أدخل مجتمعا جديدا فأقدم نفسي لمن فيه
قائلة : " هاى .. أنا مطلقة ! "
وسامح الله من ظلمني، حتى احتسب على هذه الزيجة الظالمة في حين أنني أعتبر نفسي
مازلت عذراء في أعماقي ؛ لأنني لم أتزوج بالحسنى كما أمر الله بذلك، وإنما اغتصبت
معنويا وخدعت وحيكت لي مؤامرة حقيرة من مؤامرات أشرار السينما القديمة .
نعم يا سيدي هكذا أشعر الآن .. بعد مرور عام على طلاقي، فلقد أعطيت لمن خان وصدقت
مع من كذب .. وأخلصت لمن خدع ,. فأين الزواج الذي أمر به الله سبحانه وتعالى سكنا
ومودة ورحمة من كل ذلك ؟
إنني أرجوك أن توجه كلمة إلى كل الفتيات ألا ينخدعن بمعسول الكلام من بعض الشبان كما انخدعت أنا، وألا يتمسكن برأيهن فيما يراه الأهل بخبرتهم وحكمتهم خطأ .. كما
أرجوك أيضا أن تدعو ربك لي ولغيري من الفتيات الطيبات أن يعرفن الحب الحقيقي الذي
لا غش فيه ولا خداع، والذي نهلت أنا وأمي وأخوتي من نبعه الصافي فى قلب أبي يرحمه الله .. كما أرجوك أن توجه كلمة أخرى إلى كل شاب يرى أن خداعه لفتاة بريئة
" شطارة " بأن الله يمهل ولا يهمل .. ولسوف يدفع الظالم ثمن ظلمه في يوم
من الأيام .. وأن تقرأ الفاتحة لأبي الحنون الذي لو كان على قيد الحياة لحماني
مما تعرضت له .. ولما جرؤ الظالم على ظلمه .. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
بعض البشر
ينظرون إلى الحياة بعين صياد، يتحين الفرص للانقضاض على فريسته، يحقق من ورائها
طموحه المادي أو يحل بها بعض مشاكله .. وآفة هذا الصنف من البشر أنه يتوسل دائما
لتحقيق أغراضه الوضيعة هذه بأنبل ما فى الحياة من قيم ومعان ومشاعر إنسانية ينتحلها أو يدعيها، فيسئ إليها أبلغ الإساءة حين ينكشف الزيف ويسقط القناع، ويتشكك الأبرياء من الضحايا في هذه القيم الإنسانية نفسها، وليس فيمن ادعاها
وحده في غمرة تأذيهم بما تعرضوا له من غش وخداع !
وتزداد ساحة القبح في الحياة بما يورثه المخادعون لضحاياهم من سوء ظن بالأخيار إلى
جانب الأشرار .
ولا مفر من أن نعترف في البداية بأن غلبة الفكر المادي على عقول بعض الشباب ذكورا
وإناثا، وإعلاءهم للقيم المادية فى الحياة على كل ما سواها من قيم وأهداف فى
الحياة تجعلهم مسئولين عن مثل هذه المآسي .. ومن الإنصاف أن نقول أن معظم نماذج هذه
الشريحة شديدة الإحساس بالقيم المادية، هي غالبا من أبناء الطبقة الوسطى، أو
الطبقة الوسطى / العليا ؛ لأن تماس خطوطها مع خطوط الطبقة الأعلى يشعرهم بشدة بحرمانهم مما تتمتع به الطبقة العليا من ثراء ويلهب إحساسهم
" بالحرمان " النسبي، ويؤجج تطلعاتهم لحياة لا تؤهلها لها إمكاناتهم
الطبيعية .
وحين تشتد الرغبة بالإنسان لأن ينال ما لا تؤهله لنيله إمكاناته الطبيعية، فإن
الطريق ينفتح أمامه دائما لاستخدام الوسائل غير الطبيعية لنيل هذه الأهداف .
والمفكر الفرنسي مارسيل بروست يقول لنا : إن الإنسان ينبغي له أن ينمو كما ينمو
النبات وليس كما يعلو البناء .. لأن النبات إنما ينمو من داخل نفسه، وبما يتمثل
داخله من غذاء وماء وهواء وضوء .. أما البناء فإنه لا يعلو من تلقاء نفسه، وإنما
يضاف إليه من خارجه بجهد الآخرين وليس بجهده هو !
ومأساة البعض قد تبدأ أحيانا حين يتطلع لأن يعلو كما يعلو البناء بما يضاف إليه
من خارجه .. وليس كما يرتفع النبات بما يتفاعل داخله .. ولا شك أن هذا الشاب الذي
ارتبطت به كان للأسف ممن أفسدت عليهم هذه التطلعات المادية الحادة نخوتهم ورجولتهم
ورغبتهم في الاعتماد على النفس ؛ لتحقيق أهداف الحياة , إلى الحد الذي أظهرت لديه
بعض النزعات السادية لتخويفك من الموت ومحادثتك عن " ميراثه " منك ,
وأنتما مازلتما فى شهر العسل !
والمؤكد أيضا أنه لم يكن يبعث على الارتياح أو الثقة منذ البداية بدليل نفور أهلك
منه , بمجرد رؤيته , وتشككهم فى نياته الاستغلالية تجاهك . ومع ذلك فلقد تمسكت به في
وجه اعتراض الجميع , ورفضتى أن تسمعي لأحد إلا لنداء القلب وحده , وأرغمت والدتك
على أن تكمل له ثمن الشبكة , وأنفقت كل ما معك على شراء الأثاث .. وواصلت الطريق
معه إلى نهايته , رغم ما تبدى لك من بعض بوادر الإحساس المادي العالي لديه في أواخر
مرحلة الخطبة .
وليس فى مساندتك المادية لمن تختارينه لمشاركتك الحياة خطأ فى حد ذاته ؛ إذ لا بأس
بأن يعين المحبون الصادقون أنفسهم على اجتماع الشمل , وتخطى صعوبات البداية ,
وإنما الخطأ الجوهرى , الذى لم تدركي أبعاده إلا بعد فوات الأوان , هو فى صم الأذن
نهائيا عن نصيحة الأهل .. ورأيهم فيمن ترغبين فى أن يشاركك حياتك , ورفض هذا الرأي
حتى من قبل الاستماع إليه , استجابة لنداء العاطفة وحدها .
وأكثر أسباب الشقاء الإنساني ترجع إلى رفض الرأي الآخر , حتى قبل مجرد الاستماع
إليه ؛ لأنه لا يتفق مع هوى النفس , وما يرغبه القلب , بدلا من التفكير فيه بروية
وتقليبه على وجوهه المختلفة , ومحاولة تبصر أوجه الحق فيه بغير تأثر بهوى النفس فى
ذلك , سواء قبلنا به بعد ذلك أو رفضناه .
ولأن علم الحياة مؤسس – أصلا – على التجارب .. تماما كعلم الطب .. كما يقول لنا
الأديب الفرنسي مونتانى , فلقد أثبتت لك تجربة الأيام وحدها صدق بصيرة أهلك ,
وصواب حكمهم على شخصية فتاك , ولكن آفة هذا " العلم " أنه قليلا ما يكتسب
أحد دروسه , دون أن يكتوى بألم التجربة الشخصية وغنائها .
ولأنه مما يفيد الإنسان فى تجنب عثرات المستقبل أن يعرف لماذا تعثرت به الخطى فى الماضي
, فلابد أن تعرفى أن من أهم أسباب سوء اختيارك لهذا الشاب , ونجاحه فى التأثير
عليك – إلى حد أن أحسست كما لو كنت منومة مغناطيسيا معه – هو أنك قد عرفته ,
واخترته فى مرحلة من العمر , لم تكوني مؤهلة خلالها نفسيا ووجدانيا لحسن الاختيار
, وهى مرحلة انعدام الوزن , التي تعرضت لها بتأثير الصدمة المعنوية الكبيرة لرحيل
الأب , وافتقاد كل ما كان يمثله في حياتك .
ففي أوقات المحن الشخصية المزلزلة , لا يكون الإنسان يا سيدتي مؤهلا لاتخاذ
القرارات المصيرية الصائبة فى حياته ؛ لأنه في حالة ضعف نفسي شديد , تؤثر على
أحلامه وتغير من سلم أولوياته تغيرا لا يدوم , وقد تدفعه هذه الحالة من الضعف النفسي
لالتماس الأمان والتعويض من أي سبيل , فإذا بهتت مؤثرات المحنة , وتخفف من
مؤثراتها , استعادت أولوياته ترتيبها السابق قبل المحنة , وتطلعت نفسه إلى ما كانت
تتطلع إليه من قبل , تماما كما يشتد العطش بالإنسان فى الصحراء , فيصبح أمله
الوحيد فى الحياة فى هذه اللحظة هو جرعة الماء .. ولو لم تكن زلالا , وليس المجد
ولا الثراء ولا النجاح ولا الوجاهة الاجتماعية , ولا أي شئ آخر , فإذا ارتوى ورجع
إلى بر الأمان , اعتدلت من جديد الأولويات لديه .. وسعى إلى أهدافها الطبيعية فى
الحياة , وتراجعت أهمية جرعة الماء إلى مكانتها العادية لديه , وأنت يا سيدتي كنت
خلال هذه المحنة فى حاجة ملحة إلى جرعة الحنان العاطفي , التي افتقدتها برحيل أبيك
عن الحياة .. فاخترق هذا الشاب حصونك من أضعف نقطة فيها , وحدث ما حدث .. والدرس
المستفاد من ذلك هو ألا نتخذ بعض قراراتنا المصيرية فى أوقات الضعف النفسي والمحن
الشخصية الأليمة , وأن نؤجل هذه القرارات دائما إلى ما بعد النقاهة النفسية منها .
وعلى أية حال .. فلقد تلطفت بك الأقدار كثيرا , حين أعمت بصيرة هذا الشاب عن بعض
أسرار " الصنعة " فغفل عما ينبغي أن يتحلى به الصيادون المحترفون من صبر
وطول أناة , لكي يصيبوا الهدف في مقتل , فبادر على عكس ما تقضى به أصول الصنعة
بخلع القناع عن وجهه الحقيقي , بمجرد انطفاء أضواء الفرح .. وبادر على الفور
بالكشف عن انتهازيته وماديته ورغبته الفاضحة فى استغلالك وابتزازك ماديا , فأعانك
من حيث لا يدرى على النجاة بنفسك من أسره , قبل أن تحملي منه وتنجبي وتزداد مشكلتك
تعقيدا .
وصبر عليك بعض الوقت , لكي تضطري إلى عشرته ومحاولاته الرخيصة لاستغلالك لسنوات
وسنوات بسبب حرصه على مستقبل الأطفال .. أو تهيبا لتمزيقهم نفسيا .. ولكن من
التدابير الإلهية أيضا ما يدفع به الله سبحانه وتعالى عن الصادقين أذى الآخرين ,
ويحميهم مما يمكرون لهم فيه , فحمدا لله أن خرجت من هذه المحنة بأقل الخسائر
الإنسانية الممكنة , ويبقى بعد ذلك أن تستفيد الأخريات من درس رسالتك فى عدم إهدار
الرأي الآخر , الذي لا يوافق هوى النفس , وفي ضرورة تأمله طويلا , والتفكر فيه
بعقل مفتوح قبل اتخاذ القرار , أما الصيادون فليس عندي ما أضيفه إلى ما قلته أنت
لهم .. سوى أن الإمام مالك بن أنس يقول لنا " قد ينتقم الله من ظالم بظالم ثم
ينتقم من كليهما " .. وشكرا على رسالتك .. والسلام .
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد
الجمعة" عام 1997
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر