رجل الأسرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

رجل الأسرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985
 

رجل الأسرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

أنا يا سيدي رجل في السابعة والثلاثين تزوجت منذ حوالي 15 سنة من زوجة شابة جميلة في مثل سني كريمة الخلق , وعشنا معا في سعادة تامة.. اكتملت بمجئ ابننا الصغير بعد عام ونصف العام من الزواج .. وقررنا أن نأتي له من عالم الغيب بأخت أو بأخ ثم نكتفي بذلك ونشكر الله على ما أعطانا ونواصل حياتنا في سعادة وفعلا حملت زوجتي , وقبل أن تضع مولودها كانت حرب أكتوبر قد اشتعلت وكنت قد اشتركت فيها فقد كنت ضابطا في القوات المسلحة , وخرجت منها بشلل نصفى أقعدني عن الحركة.. ولست بحاجة لأن أقول لك أن حياتنا قد تغيرت بالكامل بعد ذلك.. وأنني نظرت إلى نفسي فوجدتني أب لطفل عمره عام ونصف العام ولمولود في عالم الغيب وزوجا لشابة صغيرة جميلة مليئة بالحيوية .. ففكرت طويلا ثم طلبت منها أن تدعني لمصيري وأن تسعد بحياتها.. وأن تجرب حظها مع غيري فرفضت بكل إباء ومنعتني من العودة لمثل هذا الحديث وقالت لي أنها لن تتخلى عني وأنها ستقف معي إلى النهاية , وأمضينا عامين طويلين في رحلة العلاج وأصبح معاشي لا يكفيني وعشت أياما سوداء وكان أشقائي الأصغر مني يأتون لزيارتي ثم يدس الواحد منهم في يدي بعض المال وأنا حبيس الكرسي المتحرك قائلا : هذا شئ بسيط للأولاد.. أو للدواء, وفعل نفس الشئ معي كل أقاربها , واستمرت رحلة العذاب بلا أمل حتى بدأت أنهار وأرفض الذهاب إلى جلسات العلاج الطبيعي أو إلى عيادات الأطباء , لكن زوجتي لم تيأس ولم تنهار ولم تضعف وتعلمت كل التمارين الرياضية المطلوبة وأصبحت تجريها لي في البيت حتى استطعت بفضلها أن أنتقل من السرير إلى الكرسي المتحرك دون مساعدة من أحد , لكن أزمتنا المالية استمرت بل زادت صعوبتها مع وصول الأبناء إلى سن الدراسة وكانا قد أصبحا ابنا وبنتا بعد وصول ابنتي التي جاءت إلى الحياة وأنا حبيس المقعد المتحرك , وأصرت زوجتي  على أن تلحق ابني وابنتي بالمدارس الأجنبية كما كنا نحلم ونحن في بداية حياتنا وكلنا صحة وشباب والدنيا ممتدة أمامنا.

وقررت أن تخرج للعمل لكي توفر دخلا إضافيا مع معاشي يكفي لمصاريف المدارس واشتراك النادي والدروس الخصوصية وعملت في إحدى الجهات , ثم انتقلت منها بعد فترة إلى شركة استثمارية بمرتب أكبر وكانت تعود منهكة لتعد الطعام وترعى الأبناء ثم لتساعدني في قص شعري وأداء التمارين وفي الاغتسال وفى أشياء أخرى أخجل من ذكرها ويحتاج فيها أمثالي إلى مساعدة غيرهم , وكانت رغم كل ذلك سعيدة راضية دائما وتقول كل يوم : " بابا بطل .. وبقى كده لأنه كان بيدافع عن مصر".

ولم أسمعها طوال هذه السنوات الطويلة الكئيبة تشكو أو تتذمر أو تبدي اعتراضا على مشيئة الخالق, وإنما تقول دائما أنها إرادة الله وعلينا جميعا أن نمتثل لها, وكانت تحاول جاهدة ألا تخرج كثيرا.. ولا تذهب حتى إلى أسرتها لكيلا أحتاج إليها فلا أجدها.. ولا تحاول أن تتزين أو تسرف في الاهتمام بأناقتها لكي تتجنب إثارة غيرتي.

 

ومضت حياتنا هكذا وبمرور الأيام بدأت أشعر أن دوري كرجل الأسرة وعائلها قد بدأ يتراجع في حياة أولادي كثيرا فإذا طلبت المدرسة ولي أمر أحدهما فإن زوجتي هي التي تذهب إليها.. وهي التي تحضر اجتماعات مجلس الآباء وحفل توزيع الهدايا على المتفوقين الخ , وإذا تطلب الأمر شراء ملابس للأبناء فإنها هي التي تصحبهم معها لتنزل إلى المحلات وتشتري ما يريدون وشيئا فشيئا بدأ الأبناء يتجهون بمطالبهم إلى أمهم مباشرة مادامت هي التي تشتري وهي التي تذهب إلى المحلات.. أما أنا فقد بدأت أكيّف حياتي مع ظروفي الجديدة .. وأحاول أن أقوم بما يسمح به جهدي المحدود من أعمال تخفف عن زوجتي بعض أعباء البيت , وأصبحت بعد فترة قصيرة أصحو مبكرا.. وبعد انصراف زوجتي والأولاد للعمل والمدرسة أتجول في الشقة بالكرسي المتحرك فأقوم بتقشير خضار اليوم وأغسل بعض الأطباق وبعض الجوارب والمناديل ثم أطبخ ما أستطيعه من خلال الكرسي المتحرك لأن زوجتي تعود في السادسة مساءا فتقوم بترتيب البيت وتتفرغ لخدمتي ولمساعدة الأبناء في الاستذكار.

وأصبحت أشعر داخليا أنني "ست البيت" وأنها هي رجل الأسرة الذي يتحمل كل المسؤليات.. ألمني ذلك كثيرا.. ولكن ماذا كنت أستطيع أن أفعل ولم يكن لي حيرة فيما جرى ؟

وذات يوم وكنا في بداية الصيف جاءني ابني يطلب مني السماح له بالذهاب مع بعض أصدقائه في رحلة إلى مرسى مطروح , فرفضت لأني أرى أنه مازال صغيرا على القيام برحلة بمفرده مع أصدقائه بلا رقيب كما أنه غير مستعد للاعتماد على نفسه , ولم تعلق زوجتي على ذلك وسكتت, لكني فوجئت بابني بعد ذلك بعدة أيام يناقشني في ذلك ثم يقول لي فجأة : ليس من حقك أن تسمح أو ترفض ذهابي إلى الرحلة , وماما هي صاحبة القرار لأنها هي التي تعمل وتكسب بينما أنت جالس في البيت طوال النهار على هذا الكرسي بلا عمل !

وكنت وحدي على مقعدي في ركن التليفزيون في الصالة وكانت زوجتي في العمل وابنتي تشتري شيئا من الخارج وذهلت وأحسست بالبرودة تتسلل إلى كل جزء من جسمي.. ثم انتفضت ورفعت يدي لأصفعه، فوجدت يدي ترتخي وقطرات الدمع تقفز من عيني حتى لأكاد أراها أمامي لأن قوة الدفع وراءها كانت شديدة وكانت تدفعها للأمام لا إلى تحت.

دارت الدنيا بي يا سيدي ولم أعد أراه أمامي .. ولا أرى شيئا ولا أشعر بشئ إلا وهو يبكي ويقول لي: " معلهش يا  بابا.. حقك علي يا بابا ..أنا أسف يا بابا " ثم يقبل رأسي وأنا أقبله ولا أستطيع أن أغضب منه فما قاله هو الحقيقة .. لكن لا ذنب لي فيها .. ولم أرد لنفسي ما أنا فيه لكن الحياة تبدو قاسية أحيان يا صديقي بلا ذنب لك.

وكان هذا هو حالي مع ابني وفلذة كبدي الذي طعنني في رجولتي وكرامتي بغير قصد , ولقد ترك هذا الحادث في نفسي أثرا غائرا فأمضيت أسبوعا وأنا لا أكلم زوجتي ولا أفعل أي شئ سوى التفكير الصامت الحزين وتحت تأثير الغضب أو الشيطان - لا أعلم- توصلت إلى قرار خطير! وذات يوم كانت زوجتي عائدة من عند شقيقها الذي ذهبت إليه مع أشقائها لتوديعه قبل السفر, فاستقبلتها مع أولادي عند الباب ثم انفجرت فيها متهما إياها بخيانتي وداعيا عليها أمام الجيران أن ينتقم الله منها وطردتها.. فهرولت باكية إلى الخارج تلاحقها لعناتي وصياحي , وانفجرت الفضيحة في العمارة وفي وسط الأسرة وبلغت شظاياها مكان عملها .. ورقدت هي مريضة في بيت أهلها.. ورقدت أنا مريضا في بيتي.

والآن وبعد أن مضت الشهور والأسابيع وتوالت الأحداث وتدخل الأهل والأقارب أعترف لك أمام الله أني ظلمتها وأني مثلت معها دور الزوج المخدوع لكي أتخلص من عذابي , وأنه لا توجد على ظهر الأرض من هي أشرف منها .

إنني ألعن نفسي كل يوم وأتجرع  الندم كل لحظة لكن ماذا يفيد الندم ؟ إني أسأل نفسي كل يوم ماذا فعلت ولماذا فعلته مع أقرب إنسان في الوجود إلى قلبي؟ فلا أجد جوابا مقنعا لهذا السؤال.

لقد جاءني شقيقها منذ أيام يرجوني أن أمنحها الطلاق وأن أترك لها الأبناء ولو على سبيل المكافأة عن الفترة التي قضتها بجواري تمرضني وترعاني , ولكني لم أتخذ قراري بعد.. فأنا أريدها أن تعود إليّ وإلى أولادها وإلى بيتها فهل تعتقد أنها يمكن أن توافق على العودة.. وإذا وافقت هل تعتقد أن الناس والجيران والأهل الذين علموا ما جرى سوف ينسون الواقعة المخجلة التي رويتها لك ؟ إني أعترف أنني المخطئ لكنه في مثل سني وظروفي فإن الأزمات النفسية تكون شيئا متوقعا كما تعلم .. لهذا فإني أرجوك ألا تنصحني بطلاقها وبترك الأبناء وأن أعيش وحدي بعيدا عنها وعنهم لأني لا أستطيع مفارقة أبنائي .. فهل تساعدني برأيك في حل مشكلة صنعتها بيدي ؟؟


ولكاتب هذه الرسالة المؤلمة أقول :

يا سيدي لقد اخترت أسوأ نهاية لأكثر القصص التي قرأتها في رسائل القراء تأثيرا في النفس وإيلاما لها فقد اخترت لنفسك أن تكون ظالما وأنت من ظلمته الحياة واخترت لنفسك أن تكون جانيا وأنت أصلا ضحية.

وصدقني أن جسدي قد اقشعر وأنا أقرأ رسالتك حين بلغت هذا المشهد المؤلم بينك وبين ابنك الصغير. سامحه الله وسامح أمثاله ممن لا يدرون أحيانا أين تقع كلماتهم الجارحة من القلوب الكسيرة , لكنه طفل يا صديقي وإن أخطأ أو أجرم وحتى لو كان وراء الخطأ نقص تربوي معين لم يلتفت إليه أحد خلال صراعكم مع الحياة , لذلك فإن خطأه لا يبرر لك أن تنتقم من شريكة حياتك الصابرة التي لم تتخلى عنك في محنتك وكانت لك نعم الرفيق والصديق هذا الانتقام الجبار.

لا يا سيدي إنها لم تكن لتستحق منك هذا الانتقام مهما  كانت أسبابك الحقيقية لهذا التصرف العنيف فلو كنت مثلا قد أردت تحت تأثير الآلام النفسية لما جرى بينك وبين ابنك , أن تثبت لنفسك أنك مازلت رجل الأسرة الأمر الناهي الذي يحاسب ويعاقب ..فلم تكن هذه هي الوسيلة الصحيحة لتفعل ذلك بهذه الطريقة العلنية الجارحة مع شريكة عمرك ولو كنت قد قررت أن تنهي ما بينك وما بينها اقتناعا باستحالة استمرار الحياة بينكما على هذا النحو, فلقد كان الأجدر بك أن تصارحها بذلك وأن تنهي الأمر كله باحترام يليق بها وبك وبأسرتك وبرصيدها الكبير لديك.

وحتى لو كنت قد وقفت منها هذا الموقف الشائن لأن الشك قد ساورك فيها فى لحظة ضعف والنفس أمارة بالسوء كما تعلم ..فلقد كانت هناك طريقة أخرى لإنهاء الأمر بغير هذه الفضيحة , فلماذا اخترت هذه الطريقة البشعة للإساءة إلى من تقسم أمام الله بإخلاصها وشرفها ؟..ولماذا تسئ إلى نفسك وإلى أبناءك هذه الإساءة البالغة وقد كنت تستطيع تقديرا لماضيها معك على الأقل وحرصا على مشاعر أبناءك وسمعتهم أن تنهي كل شئ في هدوء , ألم تعلم أنك بذلك قد أسأت إلى أبناءك قبل أن تسئ إليها , وأنه كان حريا بك أن تحسن إليهم قبل أن تحسن إليها لقد قال أحد العرب ذات مرة لبنيه : لقد أحسنت إليكم صغارا وكبارا وقبل أن تولدوا فقالوا له وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد ؟ قال :اخترت لكم من الأمهات من لا تسبون بها!

 فلماذا اخترت لأبنائك أن يسبوا بأمهم بهذه الفضيحة التي لا مبرر لها وأنت تعرف صدق إخلاصها؟ ثم لماذا يا سيدي نسلي الآخرين بعذابنا وآلامنا لو كنا معذبين ولماذا لا ينهي الإنسان عذابه بغير أن يشهد عليه العالمين ؟.

إنني لا أريد أن أقسو عليك ..لأنك ضحية في النهاية.. ولأننا جميعا نحسن السباحة في مياه الشاطئ الضحلة فإذا ما جرفنا الموج إلى المياه العميقة لا نعرف كيف يمكن أن يكون حالنا أو ماذا يمكن أن نقول أو نفعل وليس المعزي كالثاكل, لذلك فإني أفهم ظروفك يا سيدي وأقدر ألامك لكني أطالبك بأن تكون عادلا سواء عادت المياه إلى مجاريها معها أو لم تعد وأطالبك بألا تسكت على ضيم أوقعته بأحب الناس إليك وأكثرهم إخلاصا لك وأنت تملك رفعه خوفا من ربك وإرضاء لضميرك قبل كل شئ فأعلن للناس يا سيدي ما صارحتني به .. ورد لزوجتك شرفها أمام كل من رميتها أمامهم بالباطل , فالساكت عن الحق شيطان أخرس واعلم أن الله لا يتسامح مع هذه  الجريمة الشنعاء ما لم ترجع عنها..ثم بعد ذلك ابحث أمر مستقبلك معها ومستقبل أولادكما معكما فليس عيبا أن يخطئ الإنسان مرة ولكن العيب كل العيب هو ألا يصلح خطأه وهو معترف به خاصة إذا ترتب عليه إنصاف المظلوم..

تسألني هل تقبل أن تعود فأقول لك : لا أعرف على وجه التحديد وإن كنت أتصور أن طبيعتها المضحية ربما تتغلب عليها في النهاية فتقبل بعد إنصافها أن تعود إليك من أجل أولادها ولا يجوز في مثل هذه الحالة أن تسألني هل ينسى الناس أو لا ينسون فليس مهما أن ينسى الناس وإنما المهم هو أن تنسى هي وأن تصفح!!

 

  نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة سنة 1985

راجعها واعدها للنشر / نيفين علي 


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات