أهلا .. مع السلامة !
هذا هو ملخص "القصة" كلها !
قصة الحياة .. والإنسان .. والحب .. والنجاح
والمنصب والصحة .. والشباب .. وكل شيء في الوجود ! "أهلاً" في البداية
.. و"مع السلامة" في النهاية .. "والمسرح الكبير" الذي نعيش
فوقه لا تتوقف فيه العروض ولا يملّه المشاهدون ولا يتعلمون أيضًا الكثير منه ! وفي
كل يوم هناك موسيقى للافتتاح وأنغام للختام .. وستار يُرفع .. وستار يسدل !
ومشكلة الإنسان أنه يبتهج كثيرًا بالبداية ..
ويحزن كثيرًا أيضًا للنهاية مع أنها كانت متوقعة قبل البداية .
وفي الفيلم القديم "الملك وأنا" قال ملك
سيام في القرن الثامن عشر للمدرسة الانجليزية مسز آنا وهو يرقد في فراش الموت
مستسلمًا لأقداره : إن من أصعب دروس الحياة أن يتعلم الإنسان كيف يقول وداعًا !
وبعض شقاء الإنسان ينجم عن عجزه عن أن يقول في الوقت المناسب "وداعًا"
لما يحب ويتقبل النهاية بشجاعة نفسية . وبعض معاناته ترجع إلى أنه قد يصر أحيانًا
على الجري وراء القطار الذي غادر محطته ليحاول اللحاق به ، وكلما زاد هو من سرعته
واقترب أمله أوغل القطار في البعد عنه تاركًا له الحسرة والعجز والإحساس بالهوان.
ومن أحسن ما قرأت في الفترة الأخيرة ما كتبه
الروائي الأديب بهاء طاهر في روايته الجميلة "الحب في المنفى" على لسان
بطلها مسلمًا بنهاية قصة الحب التي عاشها : حين تجئ النهاية فإنه يحسن ألا نطيل
فيها ! إذ لا معنى "للإطالة" إلا مضاعفة العناء ومكابدة الحسرة لأن
القطار قد غادر محطته بالفعل وانطلق بأقصى سرعته ولن يلتفت للمهرولين خلفه .
وفي الحب والحياة ينبغي أن يتعلم الإنسان أن يقول
وادعًا في الوقت المناسب ، وأن يتذكر دائمًا أن لكل شيء نهاية فلا يحاول عرقلة
ستار الختام عن أن ينزل في موعده ولا يعرّض نفسه للهوان بالتشبث بالأستار محاولاً
تأخير إسدالها .
شكا لي صديق منذ فترة بأن قصة حبه التي دامت عشر
سنوات كان خلالها وشريكته مثالين للوفاء والعطاء والفهم المتبادل ، قد تحطمت على
صخرة قرار شريكته فيها بإنهائها بعد أن ملّت انتظاره طوال هذه السنوات ويئست من
قدرته على تنفيذ وعوده المتكررة لها بأن يطلق زوجته التي تجرع التعاسة معها .
وكان قد تعرف بها خلال إحدى رحلاته إلى مدينة
الإسكندرية وأحبها وأحبته .. وتزوجها سرًا ورعى أسرتها وابنتها من زوج سابق ،
واشترى لها شقة جميلة كانت عش غرامها ، وتنقل بين حبيبته في الإسكندرية .. وبيته
وزوجته وأبنائه في القاهرة طوال السنوات الماضية ، وراح يحلم باليوم الذي تنتهي
فيه أعباؤه العائلية ويتخرج الأبناء فينفصل في سلام عن زوجته الأولى ، وينقل
أعماله إلى الإسكندرية ويعيش إلى جوار من أحبها وأحبته ما بقي له من عمره ، لكن
الأيام أثبتت له عجزه عن أن يفي بوعده لحبيبته ، وأن قيوده العائلية أقوى كثيرًا
من أن يستطيع تحطيمها .. فتخرج أكبر الأبناء ولم يستطيع تنفيذ وعده بالانفصال عن
زوجته ، وتخرجت ابنته ولم يستطيع الإقدام على الخطوة المنتظرة .. وارتبطت الابنة
بشاب ملائم فوجد نفسه مضطرًا "للوجود" في حياة أسرته الأولى بأكثر مما
يستطيع الظهور في أفق حياة حبيبته ، وتصبرت الأخرى على أمل أن يتحقق الحلم الكبير
ذات يوم ، لكن حياتها هي الأخرى شهدت تطورًا جديدًا فلقد ارتبطت ابنتها الوحيدة
وهي دون العشرين بشاب وتعجلت الزواج منه وانتقلت إلى عشها الجديد .. ووجدت الأم
نفسها وحيدة في مسكنها لا يؤنس وحدتها إلا صوت الحبيب الغائب الذي يسترق اللحظات
ليطمئن عليها .. فألحت عليه أن يفي بوعده وينتقل للإقامة الكاملة معها .. وماطلها
بعض الوقت محاولاً تأجيل المحنة بقدر ما يستطيع ، لكنها ضاقت في النهاية بمراوغاته
وطالبته بحسم موقفه منها ، ولم تخف عليه أن هناك من يتحين الفرص ليفوز بها ، وإنها
وإن كانت تحبه إلا أنها لا تريد لنفسها أن تقضي ما بقي من عمرها في انتظاره ،
ولسوف تحصل على الطلاق ثم تراود نفسها على قبول من يخطب ودها ، ولعلها تستطيع أن
تحبه ذات يوم قريب فتتزوجه وتنعم بجوار رفيق يكرس حياته لها ، ولا يتمزق بينها
وبين حياة أخرى .
وتعذّب صديقي كثيرًا .. وحاول إثناءها طويلاً عن
قرارها ، لكنها كانت قد حسمت أمرها بعد طول انتظار وحددت له موعدًا نهائيًا للطلاق
وحصلت عليه بالفعل وارتبطت بالآخر وجاءني شاكيًا فلم أزد عن أن كررت عليه عبارة
ملك سيام الحكيمة ، وطالبته بأن يعترف لنفسه قبل غيره بأن النهاية قد حانت وأنه لم
يعد يجديه شيئًا أن يحاول عرقلة ستار الختام !
فلقد بدأت القصة "بأهلاً" بالحب وراحة
القلب وصفاء الود ولابد أن تنتهي مادام عاجزًا عن الحسم والاختيار ، بعبارة الوداع
الرقيقة للحب والسعادة بغير مرارات ونزاعات تشوه القصة وتفسد عبق الذكريات .
وقبل شهور عاش أحد معارفي محنة مؤلمة حين تعرض
لأزمة طارئة انتهت بخروجه من منصبه الخطير الذي كان فيه معقد الرجاء ومطمع
الكثيرين ، وقبل أن يغادر منصبه هذا زوج ابنته الوحيدة ودعاني إلى حفل زفافها في
أكبر فنادق القاهرة وذهبت إلى الحفل في الثانية صباحًا بعد أن انهيت عملي فهالني
حين اقتربت من قاعته التي تتسع لألف من البشر أن رأيت زحامًا هائلاً يسد مدخل
القاعة ويستحيل معه على أحد أن يدخلها فرجعت من حيث جئت يائسًا وصادفت خلال
انصرافي عددا كبيرًا من نجوم المجتمع وقادته يتجهون إلى القاعة المسدودة ويجاهدون
لشق ثغرة في زحامها . ثم وقعت الواقعة وتغيرت الأحوال .. واتصلت به سائلاً عن
أحواله فإذا به يحييني بصوت مختنق بالدموع شاكيًا من الوحدة .. والعزلة .. وانصراف
الأصدقاء !
وسكتُّ متألمًا ثم سألته بحذر : من تقصدهم بكلمة
"الأصدقاء" هل أصدقاؤك القدامى الذي عاشرتهم السنين الطوال ، أم هؤلاء
الأصدقاء الجدد الذين عرفتهم خلال حياتك العملية وتوليك لمسئولياتك الأخيرة !
فأجابني بأن أصدقاءه القدامى بخير وأنهم يوالون
الاتصال به وزيارته والاهتمام بأمره أما من انصرفوا عنه فهم هؤلاء
"الأصدقاء" الجدد الذين كانوا يتفننون في إظهار الود له .. ومجاملته ..
والتشوق إلى صحبته وهم أيضًا الذين انتفعوا كثيرًا بوجوده في منصبه واستفادوا منه
أيما استفادة .
فلم أتردد في أن أصارحه بأن هؤلاء لم يكونوا
أصدقاء في يوم من الأيام وإنما كانوا أصدقاء المنصب الذي كان يشغله وأنهم لا
يستحقون الأسى ولا البكاء على قلة وفائهم ، لأن هذه هي قواعد اللعبة بالنسبة لهم
..أن يقتربوا من صاحب المنصب الكبير ويستفيدوا منه ، فإذا غادره تحولوا
"بحبهم" ومجاملاتهم وشوقهم واهتمامهم إلى الوافد الجديد الذي يملك النفع
والضرر لهم .. فلا تحزن عليهم .. ولا تأمل خيرًا فيهم واسعد بصداقة الأصدقاء الذين
عرفوك وحفظوا لك الود في كل الأحوال .
وتذكرتُ وأنا أتحدث إليه .. ما كتبه الأديب
والمؤرخ الكبير الدكتور أحمد أمين في كتابه "حياتي" ، عن أحواله ومشاعره
حين استقال من عمادة كلية القاهرة في الأربعينيات : "تركتُ العمادة وعدتُ
أستاذًا ، وخلت يدي من كل سلطة إدارية وأتت وزارة لا تعدني من رجالها ، فلم يكن لي
شأن في علاوات وترقيات وليس قبول في شفاعات ، وإذ ذاك سفرت لي وجوه قبيحة من إنكار
الجميل وقلة الوفاء .
هذا كان صديقي يوم كنت أستطيع نفعه ، فلما سُلبت
من هذه القدرة تلمّس الوسائل ليكون عدوي ، فإن لم يجد أسبابًا اختلقها ، وإن لم
يجد فرصة لإظهار هذه الخصومة تعمّد إيجادها ، وهؤلاء الذين كانوا يتهافتون على
إقامة حفلات تكريم لي يوم انتُخبت عميدًا فأرفضها وأرفضها ، لم يفكروا في إقامة
حفل وداع يوم تركت العمادة .
وهذه التليفونات التي كانت تدق كل حين للسؤال عن
صحتي ، وطلب موعد لزيارتي لإظهار الشوق أولاً والاطمئنان على صحتي ثانيًا والرجاء
في قضاء مسألة ثالثة ، لم تعد تدق إلا للأعمال الضرورية التي ليس منها سؤال على
صحتي ولا إعلان أشواق !
وهذا صندوق البريد الذي كان يمتلئ بالخطابات
المملوءة بالطلبات والرجاوات أصبح فارغًا إلا من خطاباتي العائلية أو مسائل مصلحية
!
وهذه أيام الأعياد التي كان يموج فيها البيت
بالزائرين من الصباح إلى المساء يهنئون بالعيد أصبحت كسائر الأيام أجلس فيها على
المكتب أقرأ وأكتب ولا سائل ولا مجيب .
وهذه صورة للناس لم تكن جديدة عليّ ، فقد قرأت
مثلها في الكتب كثيرًا ، وسمعت عنها في الأحاديث كثيرًا وشاهدتها في غيري كثيرًا ،
ولكن لعل أسوأها أثرًا في نفسي ما شاهدته من قلة الوفاء في بعض طلبتي فقد كنت
أعتقد أن الرابطة العلمية فوق كل الروابط ، وأن حق الأستاذية فوق كل الحقوق ، اما
إن طالبًا يخرج على أستاذه ويخاصمه ويقدح فيه بالكذب والأباطيل فشيء لم أكن رأيته
فلما رأيته استعظمته وحزّ في نفسي وبلغ أثره أعماق قلبي ، ولم أعد بعد ذلك أثق
بالناس كما كنت أثق ولا أركن إليهم كما كنت أركن ، فكانت إذا حدثت فصول من هذا
القبيل، تكسرت النصال على النصال ،
وصرتُ أشك فيمن أصطفيه ؛ لعلمي أنه بعض الأنام! !
وعدت إلى الكتاب فهو أوفى وفي وخير صديق !" .
ومع أن الصورة مؤلمة بالفعل .. إلا أنها لم تكن
لتستحق من الأديب الكبير كل هذا الإحساس بالمرارة الذي دفعه إلى اعتزال الناس ،
وعدم الثقة فيهم والاحتماء بالكتاب الذي رأى فيه الوفاء الذي لا يتغير .. فهذه
طبائع البشر الذي جُبل بعضهم على الوفاء وجُبل بعضهم على الجحود والتنكر لمن كانوا
بالنسبة لهم معقد الرجاء .
والمصلحة لا قلب لها ولا مشاعر كما يقولون . وبعض
دعاة البراجماتية والتفكير النفعي الذي لا يرتبط بالمبادئ ، يرون في القيم
الإنسانية كالوفاء والحياء والصداقة "قيودًا" على حركة الإنسان تعرقل
وصوله إلى أهدافه "ويبشرون" بنبذ كل هذه القيم "البالية" لمن
أراد نجاحًا سريعًا في الحياة العملية .وما أرخصه من نجاح وما أحقره من فوز !
غير أن المشكلة الأساسية في تقديري هي أننا لا نعد
أنفسنا جيدًا لتقبل "النهايات" والتواؤم معها ، ولا نسلم منذ البداية
بأن لكل شيء نهايته الطبيعية مهما طال المدى .. ، وأنه كما سعدنا بالبدايات
المشرقة فمن العدل أيضًا أن نتقبل النهايات المحزنة ونسلم بها ونتواءم معها .
فالإنسان يحتاج دائمًا إلى أن ينظر إلى الحياة "نظرة فيلسوف يرى الدنيا
ألعوبة" كما قال جمال الدين الأفغاني ناصحًا تلميذه محمد عبده ، فيرى الأشياء
من فوق قمة الجبل صغيرة لا تستحق الأسى لها ولا الصراع من أجلها ، ولا التشبث بها
إلى أن يزيحه عنها وافد جديد .
وفي الحب والحياة هناك دائمًا بداية للقصة ..
ونهاية لها وهناك "أهلاً" .. "ووداعًا" ، لكل شيء في الحياة
من البشر إلى النجاح .. إلى الحب .. إلى الصحة والشباب والعمر وكل شيء .. وليس من
طبيعة الحياة أن تتجمد عند طور البداية أو تستعصي عن طور النهاية .
وكل فوز يحققه الإنسان في حياته العملية بسيط مهما
بدا للآخرين مبهرًا ، وكل خسارة للسعادة الشخصية والأمان وراحة القلب مفجعة وإن
بدت للآخرين غير ذلك .. "وفندق البحر" الصغير سوف يؤدي مهمته الخالدة في
استقبال النزلاء الجدد وتوديع المغادرين بعد سداد الحساب .. إلى ما لا نهاية !
"وفندق البحر" هو التعبير الذى وصف به
الدنيا شاعر الألمان العظيم جوته ، في محاوراته مع صديقه الناقد الشاب إكرمان الذي
ترجم لحياته وسجل العديد من آرائه فقال له :
"حين أتلفت إلى الوراء وأفكر في قلة عدد
الباقين معي منذ أيام الشباب أرى الدنيا كفندق صغير من فنادق الشواطئ التي نلجأ
إليها في الصيف ، فحين نصل إليها نصادق من وجدناه فيه قبلنا .. فلا يمضي وقت طويل
حتى يغادر هؤلاء الفندق لانتهاء "إجازتهم" ويؤلمنا رحيلهم ونتحول نحن
إلى الجيل التالي من النزلاء وتقوى العلاقات بيننا وبينهم ، لكنهم يذهبون هم أيضا
ويتركوننا وحدنا مع الجيل الثالث الذي يجئ إلى الفندق ونحن نهم بالرحيل عنه
ونغادره بالفعل بغير أن تكون هناك بيننا وبينهم أية علاقة!"
وهكذا تتوالى "حفلات" الاستقبال
والتوديع بلا بداية ولا نهاية . فهلا تعلمنا هذا الدرس الصعب من دروس الحياة وهو
أن نعرف كيف نقول : وداعًا .. ومتى نقولها بلا مرارة ؟
نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر