نظرة الاستخفاف .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أنا يا سيدي طبيب سابق بالمستشفى الجامعي بأكبر مدن الصعيد ، وأبلغ من العمر 65 سنة ، وقد ترددت طويلا في أن أكتب إليك ، ثم استجمعت إرادتي لكي أزيح عن كاهلي مالا يطيق ، فلقد نشأت في أسرة فقيرة بل ومعدمة وكنت أستذكر دروسي في طفولتي وصبای على لمبة الجاز ، وتحت عمود الكهرباء في الشارع، واعمل في الإجازة الصيفية لتدبير نفقات الدراسة حتى حصلت على بكالوريوس الطب وعملت ودرست للماجستير وحصلت عليه وتزوجت وأصبحت لی أسرة صغيرة وبيت ملائم واشتهرت كطبيب في مدينتي وانهال الرزق علي وبدلا من أن أشعر بأحاسيس الفقراء الذين كنت منهم وخبرت معاناتهم واحتياجاتهم ، فقد وجدتني أتحول في عملي تدريجيا إلى جزار أو منشار ينشر هؤلاء البسطاء ويمتص دمهم بلا رحمة ويحنو في نفس الوقت على الأغنياء ويتملقهم !
وحين أكتب إليك رسالتي هذه الآن يتراءى لي وجه مريض بائس كان يحتاج لإجراء جراحة خطيرة وطلبت منه قبل أن يدخل المستشفى الخاص بي دفع مبلغ معين ولم يكن معه سوى نصف هذا المبلغ فقط وراح يبكي ويستعطفنی ويرجوني أن أرأف بحاله وأقبل منه ما معه لكني أصررت على موقفي بصرامة وطلبت منه تدبير المبلغ كاملا خلال ۱۲ ساعة فقط وإلا فلن أجرى له الجراحة ، فهرولت زوجته تبيع ذهبها القليل وما عندها من ماشية ، ورجعت إلي بالمبلغ ، وبدأت في تحضير المريض للجراحة فإذا به يموت قبل إجرائها بنصف ساعة فقط ، فلا أفكر لحظة في أن
أرد المبلغ لأهله المفجوعين والمعدمين وإنما أزعم لهم أنه قد مات أثناء الجراحة ، واستوليت على المبلغ باعتباره أجر الجراحة حتى ولو كانت لم تتم من الأصل.
كما تتراءى لي أيضا صورة مريض آخر لم أسمح له أبدا بدخول المستشفى الخاص بي وتركته يلفظ أنفاسه الأخيرة على أبوابه وهو يدعو الله على ويرجو لى سوء المآل !
أما وجه هذا الطبيب الشاب أو الذي كان شابا وقتها فإنه لا يتراءى لي وإنما يطاردني بملامحه وبآخر ما نطق به من كلمات في آخر لقاء بيني وبينه منذ سنوات طويلة ، فلقد كان يستحق التعيين في المستشفى الجامعي لتفوقه لكني حرمته وحرمت زملاءه الذين يستحقون التعيين بعد حصولهم على الماجستير بلعبة حقيرة ، وعينت بدلا منهم ابني ، وابن شقيقي ، وابنة شقيقتي ، وجاءني هذا الطبيب الشاب ليقول لي إنه سوف يرحل عن المدينة كلها ليعمل بإحدى الدول العربية لكنه يعلم علم اليقين أن الله لن يضيع حقه هدرا وأنه لن يتركني بلا عقاب ولسوف يجيء اليوم الذي أعض فيه بنان الندم على ما فعلت به وبزملائه وما ظلمتهم فيه , ثم انصرف الطبيب الشاب وأنا ابتسم وانظر إليه باستخفاف مترفعا عن الرد عليه في الظاهر .. ومتعمدا ذلك في الباطن لكيلا أضاعف من ثورته وحنقه علي برد قد يطلق براكينه فيوجه إلي ما هو أشد جرحا أو إهانة ، أمام المساعدين والممرضات ، ومضى هذا الشاب إلى حال سبيله ، ونسيته ونسيت زملاءه الذين أضعت عليهم فرصة التعيين بالمستشفى سنوات طويلة لا أعرف ماذا جرى لهم خلالها.
ولعلك الآن تتساءل لماذا أروي لك هذه الواقعة وغيرها من الوقائع التي تسيء إلي وإلى أبنائي وأقربائي إذا تعرفوا على شخصيتي من خلال هذه الرسالة ، وأجيبك على التساؤل إنني لم أعد أهتم بأحد من هؤلاء جميعا ، بعد أن تركوني وتخلوا عني ! أما لماذا تخلوا عني وانشغلوا بأنفسهم عني ، فلأنني قد مرضت ويا للعجب منذ ثلاث سنوات بالمرض اللعين الذي تخصصت في علاج المرضى منه ، ومنذ ثلاث سنوات وأنا أسافر للعلاج في الخارج كل سنة مما استهلك معظم ما جمعت من مال خلال سنوات عملي الطويلة ،
ولو واصلت السفر للعلاج على هذا النحو فلن يمضي أكثر من عام وأصبح بعده "على الحديدة" بلا مدخرات .. ولا مال .. ولا شيء سوی معاشی كطبيب ، وذلك بعد أن تخلى عني أولادي وأبناء إخوتی الذين وضعتهم في مراكزهم وثبتهم فيها .
إنني أكتب إليك هذه الرسالة لأقول لكل من تسول له نفسه أن يظلم غيره إن الله يمهل ولا يهمل .. وإن عقابه شديد ، كما أكتبها لك أملا ورجاء ودعاء إلى الله أن يعفو عني ويشفيني ويغفر لى وأملا ورجاء أيضا لكل من ظلمتهم خلال رحلة الحياة أن يسامحوني فيما فعلت بهم لكي يسامحني الله فيه.
كما أرجو أن تصل رسالتي هذه عبر بابك إلى أبنائي لكي يساعدوني ويرعوني في مرضى ، وعذرا لأني لم أكتب لك اسمي لأنني لم أستطع ذلك ، مع أني لا أعرف كيف استطعت أن أكتب لك هذه الرسالة ، لكن ظني أن الله سيكتب لي بعد اعترافي بكل ما فعلت الشفاء، وسيجعل لي مخرجا من ضيق ذات اليد ، وبارك الله فيك وفي أمثالك والسلام .
ولكاتب هذه الرسالة
أقول :
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
قد يبدو تعليقي على رسالتك هذه بعيدا ظاهريا عن مضمونها لكنك لو تفكرت قليلا فيه لعرفت أنه في صلب قصتك وتجربتك .. فلقد قال الشيخ الحكيم ابن عطاء الله السكندري في حكمه المعروفة : من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها !
وقال ابن عباد الرندي الأندلسي في تفسير هذه الحكمة العطائية إن الشكر على ثلاثة أوجه : شكر بالقلب، وشكر باللسان، وشكر بالجوارح !
فأما شكر القلب واللسان فهما لا يحتاجان إلى تفسير وأما شكر الجوارح فهو ما أريد أن أحدثك عنه لتفهم بعض سر ما تعانيه الآن، فلقد قال ابن عباد في تفسير شكر الجوارح، إن رجلا قد سال أبا حازم، ما شكر العينين ؟ قال : إذا رأيت بهما خيرا أعلنته وإذا رأيت بهما شرا سترته !
قال : وما شكر الأذنين ؟ قال : إذا سمعت بهما خيرا وعيته وإذا سمعت بهما شرا دفنته ؛ قال : فما شكر اليدين ؟ قال ألا تأخذ بهما ما ليس لك وألا تمنع حقا لله فيهما . قال : فما شكر الرجلين ؟ قال: إن رأيت شيئا غبطته استعملتهما فيه ، وإن رأيت شيئا مقته كففتهما عن عمله وأنت شاكر لله تعالی , فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه فلم ينفعه ذلك ولم يحميه من الحر والبرد .
هذا ما قاله الرندي في تفسير الحكمة العطائية وفضيلة الشكر، أما القطب الصوفي الإمام الجنيد رضي الله عنه فقد سئل وهو صبي صغير : ما الشكر ؟ فقال : ألا يعصى المرء الله بنعمته عليه !
وقال أحد الصالحين في معنى الشكر إن شكر النعمة بأنواعه الثلاثة معا يضمن حفظها من الزوال ومن تغير الحال بالانتقال، وزيادتها في الحال، وبركتها في المال، واتصال العبد بمولاه على وجه العافية بلا إخلال !
وأنت يا سيدي كما تروي عن نفسك قد غير الله من حالك إلى حال وعوضك خيرا عميما عما كابدت من حرمان في طفولتك وصباك ، وأغدق عليك بالرزق والأسرة والأبناء والمكانة الاجتماعية ، ففيم استعملت كل هذه النعم وكيف شكرت ربك عليها؟ إن الواضح هو أنك لم تعرف للأسف شكر الجوارح هذا ولم يكن له في حياتك العملية والمهنية أثر كبير أو صغير وإنك قد عصيت ربك للأسف بنعمته عليك، فأخذت مالا حق لك فيه من مال البسطاء الذين كنت أحرى بأن تترفق بهم، وسلبت حقوق من كانوا يستحقونها، وأعطيتها لمن لا يستحق من ذوی رحمك وواصلت رحلتك في الحياة غير عابئ بدعاء الداعين ولا وعيد المتوعدين فكأنما لم يترك الحرمان في الطفولة أثرا إيجابيا عليك في رقة القلب .. واستشعار حرمان الآخرين والرفق بهم، وإنما ترك لديك فقط بصمته السلبية على من لا يعتصمون بقيمهم الدينية والأخلاقية فيدمر معنوياتهم ويطلقهم في الحياة كالوحوش الكاسرة تريد أن تعوض حرمانها السابق من كل طريق .. فلا يكون ضحاياها غالبا ويا للعجب إلا من رفاق الحرمان السابق .. ومن كانوا مثلهم حتى وقت قريب، وهذه مفارقة أخرى من مفارقات الحياة المليئة بالغرائب وما يستحق تأملات المرء وعجبه.
لقد قلت من قبل إننا قد ننسى بعض ما اقترفنا من أفعال لا أخلاقية في غمار انهماكنا فيما أسماه الكاتب المسرحي الأمریکی أرثر ميللر بسباق الفئران المذعورة للوصول إلى أهداف الحياة المادية من أقصر طريق ، لكن هذه الآفة التي لا تنسانا ولا تتركنا ، وإنما تطل علينا في الوقت المناسب کالأشباح تذكرنا بما فعلنا وتطالبنا بالتكفير عنه ، وآفة بعض البشر أنهم لا يتذكرون ولا يندمون إلا حين تقلب لهم الأيام ظهر المجن بعد طول استدراج لهم بالنعم مصداقا لقوله تعالى : "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" ، وقوله تعالى : "حتى إذا فرحوا بما أوتوا" أي من حظوظ الدنيا التي لم يشكروا الله عليها ولم يرعوا حقوقه وحدوده فيها " أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون" أي يائسون قانطون من رحمة الله ، صدق الله العظيم.
أما ترى أن هذا هو الحصاد الطبيعي لغرس ثمرة مغتصبة في أرض لم تكن أهلا لها من الأصل .
إنني أرجو لك الشفاء من مرضك بإذن الله .. وأرجو من أبنائك وذوي قرباك ألا يتخلوا عنك وألا يحرموك حقوقك المادية والإنسانية وأنت في ضعفك ومرضك ومحنتك ، مهما كانت شواغلهم وانشغالهم عنك بأمور الحياة .
أما من ظلمتهم خلال انغماسك في سباق الفئران اللعين هذا ، فلعل الله قد عوضهم عما حرمتهم منه خيرا كثيرا ، ولعلهم إذا قرأوا رسالتك هذه الآن لم يجدوا في أنفسهم تجاهك وبعد كل هذه السنين سوى الإشفاق والرثاء .. وتعميق إيمانهم بعدل من لا يغفل ولا ينام ، لكن الندم يا صديقي كالشكر سواء بسواء .. لا يكون باللسان وبالقلب وحدهما .. وإنما بالجوارح أيضا وبالأفعال التي تقوم بها هذه الجوارح فلعلك تبحث عمن اغتصبت مالهم من التعساء والمحرومين ، وترده إليهم وهو هين ولن يؤثر على ما بقي من مدخراتك في كثير أو قليل ، لكنه إن فعلت وأكثرت أيضا من العطاء لمن يحتاجون إليه سيكون عظيم الأثر على حياة هؤلاء البؤساء ، وعظيم القدر عند ربك .. ودليلا عمليا صحيحا على صدق ندمك .. وعمق رجائك إلى الله أن ينعم عليك بالشفاء ويغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر .

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر