العمر الضائع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

العمر الضائع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

العمر الضائع .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999

البعض يشبهون الروابط الزوجية بجديلة الشعر المتينة التي تحتاج من الطرفين إلى العناية المستمرة بها , وإلا تقصّفت شعيراتها واحدة وراء الأخرى على مدى السنين , إلى أن يجيء اليوم الذي يصبح فيه ما بقي منها أوهى من خيط العنكبوت ..فإذا تعرضت الأرض المشتركة بين الزوجين إلى رجفة قوية , تقطعتْ آخر هذه الخيوط , ووقع الانفصام تماماً كما تنفصم القشرة الأرضية فجأة بتأثير الزلزال الذي تحرك في باطنها .
عبد الوهاب مطاوع

بدأت قصتي حين تعرفت على زوجتي وعشنا معا قصة حب طاهرة توجناها بالزواج منذ عشرين عاما .. وبدأنا حياتنا المشتركة معا من نقطة الصفر، بل مما هو تحتها .. وضحت زوجتي من أجل حبنا برغد العيش الذي كانت تتمتع به في بيت أسرتها قبل زواجنا، وبالسهر والملابس الغالية والمصروف المفتوح في كنف أسرتها، وانتقلت معي من القاهرة إلى المدينة الساحلية الصغيرة التي أعمل بها.

وأنجبنا ابنتنا الأولى، وأسهمت معي زوجتي بثمن شبكتها في بناء عش الزوجية .. ومضت سنواتنا جميلة وسعيدة ، واكتمل بيتنا تدريجيا حتى أصبحت به كل الكماليات ، وامتلكنا السيارة ، ، ورزقنا بابنة ثانية ، فأصبحت مع أختها هما الحب الكبير في حياتنا .

وانصرفت أنا إلى عملى وشغلت به كلية، وتركت لزوجتي مسئولية كل شيء في حياتنا المشتركة من البيت إلى البنتين إلى كل شيء .. ووجدتها تحب ذلك وشخصيتها مناسبة له، لأنها - بصراحة - «بمائة رجل»..

فتركت لها المسئولية، وأصبح بيتها وابنتاها هم كل شيء في حياتها، وعاشت معي في حرية كاملة، ووثقت بها أكثر مما أثق في نفسی، وزاد اهتمامی بعملي، فكنت أرجع إلى البيت فلا أفكر إلا في راحتي وما سوف أقوم به في اليوم التالى من مهام، فإذا رغبت زوجتي في أن نخرج معا للنزهة رفضت وتركتها تخرج وحدها.. وإذا رغبت هي في ممارسة الرياضة تركتها لما تريد وفضلت النوم والراحة ومشاهدة التليفزيون .. وإذا رغبت هي في مشاهدة فيلم السهرة في التليفزيون تركتها تشاهده ودخل غرفة النوم ونمت .. وهكذا ..

إلى أن تنبهت منذ فترة إلى أن الصمت قد حل بينا وأصبح هو اللغة المشتركة في علاقتنا، وأننا أصبحنا لا نكاد نلتقي داخل البيت حتى ولو أمضيت النهار كله فيه إلا للنوم .. ونتيجة لتفرغي الكامل لعملى فقد حققت فيه مركزا مرموقا، وتحسنت أوضاعنا المادية كثيرا وبدأنا نجني ثمار كفاحنا، لكن الحياة في بيتنا استمرت على نفس الوتيرة : لا نزور أحدا ولا يزورنا أحد، ولا يدق بابنا غالبا سوی بائع اللبن .. وأنا في عملي، وزوجتي في البيت ، والبنتان مع صديقاتها في النادي .

وفجأة - وبعد عشرين عاما من الزواج - بکت زوجتي بكاء مريرا وهي في زيارة لشقيقتها في القاهرة - وكانت قد اعتادت زيارتها في الفترة الأخيرة كثيرا - وطلبت الطلاق !

لماذا ؟! ماذا حدث ؟!.. لا جواب سوى أنها لم يعد لديها ما تعطيه لنا ولا تستطيع العطاء أكثر من ذلك .. وأن « ابنتيها » لم تعودا في حاجة إليها لأنها تستطيعان الآن الاعتماد على نفسيهما، وأنها تشعر بأن سنوات عمرها قد ضاعت منها وتريد أن تحيا ما بقي من عمرها !

وحاولت المستحيل معها لإثنائها عن رغبتها بلا جدوى، واستسلمت في النهاية لما أرادت .. وتم الطلاق بيننا في هدوء .. وفي تقديري أنها مجرد فترة من الإرهاق النفسی وترجع زوجتي بعدها إلى نفسها لتعود الحياة إلى مجاريها بيننا ، وغادرت هي البيت والمدينة الصغيرة وتوجهت إلى القاهرة للإقامة لدى أشقائها ..

ومنذ ذلك الحين أصبحت زوجتي «السابقة» وأم ابنتى بلا عنوان بالنسبة إلينا ، وكلما حاولنا الاتصال بها لدى أحد أشقائها بالقاهرة - وهم كثيرون - كان الجواب أنها ليست موجودة ، أو سافرت إلى حيث لا يعلمون ... وأصبحت هي فقط التي تتصل بنا للاطمئنان على البنتين من حين لآخر، وإذا اتصلت لم تترك مجالا لأي حوار.. واستمر الحال هكذا طوال شهور العدة التي أوشكت الآن على الانتهاء.

 



إنني أحب زوجتي هذه وبنتاها تحبانها بجنون، لكن المشكلة هي أننا لا نعرف لها عنوانا الآن .. فهل نستطيع أن نجده عن طريقك ؟ وهل تكتب إليها كلمة تناشدها فيها الاستماع إلى نداء الحب والعقل ، فترجع إلى بيتها وزوجها لكي أعوضها عما فاتها معى بعد أن أدركت خطئي ، وإلى بنتيها اللتين تفتقدانها لأنها الوحيدة القادرة على إعادة هذا البيت الذي تحطم ..؟

إني أرجوك أن تقول لها : إن كل المظاهر التي تسعى وراءها الآن زائفة وزائلة، وسرعان ما سوف تصدمها الحقيقة حين تفقد كل شيء في لحظة خاطفة.. وقل لها: إن هناك فرقا بين الحب الحقيقي والحب الزائف، وإن الحب الحقيقي عطاء وسعادة وراحة نفسية ، والحب الزائف أقراص مهدئة ومنومة ومضادات للألم سرعان ما يزول أثرها .

 

وقل لها أيضا : إننا نسامحها على كل هذا الألم الذي سببته لنا خلال الفترة الماضية، وسوف نغفر لها هذه "الفترة" العابرة من حياتها، وسيكون باب بیتی مفتوحا لها دائما لتعيد إعماره مرة أخرى، فهل تجفف دموع ابنتيها اللتين تبكيان ألما وحزنا على فراقها ؟ وهل تستجيب لنداء العقل والحب الحقيقي ؟

 

•• ولكاتب هذه الرسالة أقول :

المرأة لا تقدم على هذه الخطوة المدمرة فتهجر ابنتين في سن الشباب وزوجا عاشرته عشرين عاما وحياة عائلية بأكملها، لمجرد الاشتياق إلى نمط حياتها السابق في بيت أهلها من سهر ونزهات وخروج.. إلخ، وإنها تفعل ذلك فقط حين يتزلزل كيانها كله بمؤثر خارجی غلاب يحسم داخلها الصراع الطويل بين نداء الواجب العائلي ونداء السعادة الشخصية خارج إطار الأسرة الصغيرة.

ولهذا فلست أظن أن انشغالك بعملك وحلول الصمت بينكما في الفترة الأخيرة هما السبب الحقيقي لهذا الانهيار المفاجيء لأسرتك، وإنها كانا فقط «الظرف الداخلى» الذي مهد أرض زوجتك لهذا الزلزال المدمر، فجاء الحديث المكرر في مثل هذه الحالة عن سنوات العمر الضائعة والرغبة في الحياة ما بقى للإنسان من عمر.. وهو حديث مألوف لدى من يحسم الصراع داخله - بين نداء الواجب العائلي والإنساني ، ونداء السعادة الشخصية كما يتصورها لنفسه - لمصلحة اعتباراته الشخصية ، وعلى حساب سعادة أبنائه وواجباته العائلية والإنسانية .

 

والبعض يشبهون الروابط الزوجية بجديلة الشعر المتينة التي تحتاج من الطرفين إلى العناية المستمرة بها ، وإلا تقصف شعيراتها واحدة وراء الأخرى على مدى السنين ، إلى أن يجيء اليوم الذي يصبح فيه ما بقي منها أوهى من خيط العنكبوت .. فإذا تعرضت الأرض المشتركة بين الزوجين إلى رجفة قوية ، تقطعت آخر هذه الخيوط، ووقع الانفصام تماما كما تنفصم القشرة الأرضية فجأة بتأثير الزلزال الذي تحرك في باطنها .

والرجفة الشديدة التي قطعت الشعرة الأخيرة بينك وبين زوجتك هي ما تعبر عنه أنت في رسالتك هذه «بالفترة العابرة» في حياتها الآن ، وبالحديث المؤلم عن الفرق بين الحب الحقيقي والزائف ، ودعوتك لها للاستماع لنداء العقل والتمييز الواعي بينهما ، وهو حديث مؤلم لنفس الرجل ومشاعره ولا أريد الاستطراد فيه .

ولهذا فلن أقول لزوجتك السابقة سوى : إن من الزوجات من لا يضحين بسعادة أبنائهن - خاصة إذا كن من البنات - بمغريات الدنيا كلها ، وإن منهن من لا تصفو لهن السعادة مهما بلغ شأوها إذا كان ثمنها هو تعاسة أبنائهن وحيرتهم وحرجهم الإنساني أمام الآخرين .

وإن الحديث عن سنوات العمر الضائع - إذا كان مقبولا ومفهوما لدى من لا ينشغلون إلا بطلب سعادتهم الشخصية على حساب سعادة الأعزاء واعتباراتهم - هو حديث مرفوض لدى من لا تهنأ لهم الحياة إلا إذا ارتبطت بسعادة أبنائهم وأمانهم واستقرارهم.. ولكل إنسان في النهاية أن يختار لنفسه ما يراها جديرة به ، فيكون من الباحثين عن أنفسهم بغير مبالاة بواجباته العائلية والإنسانية ، أو يكون من أهل التضحية والواجب الإنساني وترجيح سعادة الأبناء على كل الاعتبارات .

ولنفسك في النهاية ما تختارين ، وعليها عاقبته وضريبته ، فإن قدمت العطاء لأبنائك وأسرتك إلى النهاية فلك من خلال سعادة أبنائك ووفائهم لك عائد ما أعطيت .. وإن قدمتي الخذلان والأثرة وتفضيل الذات على الجميع ، فعليك أيضا عاقبة ما قدمت وما سوف تدفعين ثمنه الغالي من علاقتك بأبنائك .. وقديما شاهد «الحسن البصري» أميرا يضرب رجلا بالسوط ، فقال له : «والله ما تضرب سوى نفسك ، فإن شئت فأكثر وإن شئت فقلل »..


نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة سنة 1999
كتبها من مصدرها / محمد عايدين
راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي
Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات