الرد الغريب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أريد أن أكتب إليك عن مشكلة زوجات كثيرات خاصة في الوسط الذي أعيش فيه .. وهو وسط المهندسات .. إذ أن دخل المهندسة يقارب غالبا دخل زوجها ومن هنا تبدأ المأساة فالزوج ينظر دائما إلى مرتب زوجته على أنه يكفي لنفقات البيت , وبالتالي فهو حر بعد ذلك في مرتبه ينفقه كيف يشاء , فإذا حدثت ظروف طارئة أدت إلى تقليل الزوجة لما تنفقه في البيت فهو يثور ويختلق النكد بدون أسباب , ومع أننا ننفق كل دخلنا في بيتنا وعلى أولادنا فإننا نقابل من أزواجنا دائما برد غريب وهو أن هذا هو المفروض وليس تطوعا منا هذا بخلاف قلة الذوق في المعاملة والتفاصيل الأخرى التي لا داعي لذكرها لهذا أرجو منك يا سيدي أن توجه كلمة دينية للأزواج حول هذا الموضوع وشكرا لكم .
ولـــكــــاتــــبة هــــذه الــــرســـالـــــة أقـــــول:
كتبت عن هذا الموضوع مرارا وقلت أكثر من مرة أن الرجل مسئول شرعا وقانونا مسئولية كاملة غير منقوصة عن إعالة زوجته وأولاده , وأن من لطائف الشريعة حول هذا الموضوع أن تعتبر ما ينفقه الرجل على زوجته صدقة تحسب له في ميزان حسناته رغم مسئوليته الكاملة عنها , وذلك تشجعيا للأزواج على تحمل مسئولياتهم تجاه زوجاتهم واغراء لهم على حسن أدائها فجاء الحديث الشريف أن ما أنفقه الرجل على أهله "أي زوجته" فهو صدقه وأن الرجل ليؤجر في اللقمه يرفعها إلى فيّ امرأته "أي إلى فمها" .. فأي حث للأزواج على أن يتحملوا مسئولياتهم عن زوجاتهم أجمل من ذلك ؟
لقد حسم الفقهاء منذ مئات السنين قضية حق المرأة المطلق في مالها سواء أكان عندها قبل الزواج أو كسبته بعده من وظيفه أو حرفه وأقروا بطلان حق زوجها في مطالبتها بشئ منه إجبارا وإن تطوعت كان أفضل , وحسم فقهاء العصر الحديث أيضا فأجمع جمهورهم على أن مرتب الزوجة ليس من حق الزوج لأنها تحصل عليه مقابل عملها هي وليس عمل أحد غيرها وبالتالي فلها أن تتصرف فيه كيف تشاء لكن الأفضل دائما أن تساهم مع زوجها بجزء منه حسب أحوال الزوج وقدرته المادية في أعباء حياتهما المشتركة توثيقا لعرى المحبة وتدعيما لروابط التعاون والتكافل بينهما , وبالتالي فإن مساهمة الزوجة بينهما في أعباء معيشة أسرتها وإن كانت محمودة ومفضلة إلا أنها في نهاية الأمر مساهمة تطوعية وليست إجبارية .. والمرء قد يترقب الشكر أحيانا من أهله على حسن أدائه ويواصل العطاء لهم فكيف بمن يتطوع لأداء ما لم يفرضه عليه شرع ولا قانون , وإنما فرضته عليه روابط المحبة والمسئولية الإنسانية عن الأبناء , أليس من حقه أن نشعره بتقديرنا لمساهمته التطوعية ولو بالتقدير الصامت وهو أضعف الإيمان بدلا من هذا الرد الغريب الذي يثبط الهمة ويضعف الحماس لمزيد من البذل والعطاء ؟
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر