النصائح المتناقضة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003

النصائح المتناقضة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003 

النصائح المتناقضة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003

 

 

أنا زوجة أبلغ من العمر‏27‏ عاما‏,‏ من أسرة كريمة ومتدينة‏,‏ تلقيت تعليمي الأساسي بمكة المكرمة‏,‏ وتلقيت تعليمي الجامعي والدراسات العليا بجامعة القاهرة‏..‏ وكنت دائما من أوائل المتفوقين والحمد لله‏.‏
وقد رآني زوجي لأول مرة في أروقة الجامعة‏,‏ حيث كنت طالبة في الدراسات العليا بقسم غير قسمه‏,‏ وتعلق بي كثيرا‏,‏ وكان خالي الذي يبلغ من العمر‏61‏ عاما يدرس في أحد الدبلومات في الفترة نفسها‏,‏ فكنت دائما ألتقي به في الجامعة‏..‏ وفي إحدى المرات فوجئت به يطلب الحديث مع خالي على انفراد ثم يبلغه برغبته في الارتباط بي بعد أن عرفه بنفسه‏,‏ وكنت ساعتها لا أعرف عنه شيئا ولا حتى اسمه‏..‏ بل إنه هو نفسه كان لا يعرف اسمي ولا أي شيء عني‏,‏ ولكنه ـ كما قال ـ أحبني بشدة منذ أول مرة رآني فيها‏,‏ وأعجب بجمالي الشديد وتديني الواضح‏.‏

وتمت الخطبة ثم الزواج سريعا‏,‏ ومشكلتي هي أن زوجي ــ وهو من جنوب الصعيد ــ ومنذ الأيام الأولى لزواجنا يقوم بإهانتي بجميع الأشكال‏..‏ حيث بدأ بضربني على وجهي‏,‏ ولم يمض أسبوع واحد على زواجنا فأصابني الذهول‏,‏ وعندما سألته عن سبب ضربي بعد أن أفقت من دهشتي أجابني وبمنتهي البرود‏:‏ مجرد تسلية‏!‏ ولا أخفى عليك أنني ـ ومنذ ذلك اليوم ـ تحفظت جدا في معاملتي معه وبدأت أعامله بحذر‏,‏ ولكن برقة في الوقت نفسه‏,‏ وحاولت جاهدة ألا أحمل منه حتى تتضح لي حقيقة شخصيته‏.‏
ثم تكرر ضربه لي في الأيام الأولى لزواجنا كثيرا وبقسوة لأسباب واهية‏,‏ وكنت دائما أتجنب أسباب الخلاف معه‏,‏ فأبذل كل جهدي للاعتناء ببيتي وبنفسي وبالطعام حتى اعتاد هو ذلك وأصبح يبحث عن أي سبب للشجار‏,‏ وعندما لا يجد يختلق الأسباب التي لا وجود لها لإهانتي بأبشع الألفاظ‏,‏ ابتداء من فستاني الذي أرتديه ولا يعجبه‏,‏ لأنه كما يقول خال من الذوق‏,‏ إلى العطر الذي أضعه ولا يعجبه أو تسريحة شعري السيئة في نظره‏,‏ ثم يبدأ في أسطوانة الشتم والاهانة والضرب وسب أمي وأبي‏..‏ مع العلم أن كل هذه الأشياء التي لم تعجبه سبق أن أثنى عليها من قبل ذلك بيوم واحد أو يومين‏,‏ كما أني دائمة التغيير في ملابسي وعطري وطبخي‏,‏ ولكن لا شيء يرضيه‏,‏ لقد احتملته كثيرا يا سيدي وصبرت حتى ضاق الصبر عني‏,‏ وإن سألتني لماذا؟ قلت لك إنه لعدة أسباب‏:‏ الأول أنني لم أشأ أن أبدأ حياتي الزوجية بالفشل‏,‏ خاصة أن الطلاق مرفوض في وسطنا العائلي‏,‏ والثاني هو أنه بعد كل خلاف يتوسل لي ويعدني ويقسم لي أنه سوف يحسن معاملتي‏,‏ وأنه لا يستطيع الحياة بدوني لأنه يحبني جدا جدا‏,‏ وأنا طيبة ومتدينة ومن أسرة كريمة ولن يجد مثلي إذا تركته‏.‏

أما السبب الثالث فهو أن أهلي مازالوا يعملون بالخارج ولا يعودون لمصر سوى للأجازة السنوية ونصف السنوية فقط‏,‏ أي كل عدة أشهر‏,‏ وقد سافروا بعد زواجي بـ‏10‏ أيام فقط‏..‏ فإلى من ألجأ؟؟
مع العلم أن أمي وأبي من أساتذة الجامعة ومتدينان وطيبان للغاية‏..‏ ولم تشهد حياتي في بيت أسرتي أي خلاف أو إهانة كتلك التي أواجهها في بيت زوجي‏,‏ حيث كان الاحترام يسود هذا البيت الهادئ الجميل‏..‏

ولا أريد أن أطيل عليك‏,‏ فقد مضت بنا سفينة الحياة برغم الزوابع الشديدة التي تعترضها‏,‏ وأنا صابرة أحاول جاهدة تحمله ونصحه وتوجيهه لخطئه في لحظات الهدوء والصفاء‏..‏ فيعتذر ويعد بعدم العودة لمثل ذلك‏..‏ ثم يذكرني دائما بلا كلل أو ملل أنه دائما يحبني كثيرا برغم كل شيء وأذكره أيضا بلا كلل أو ملل أن الحب والاهانة لا يتفقان أيضا ولا يتقابلان أبدا في طريق واحد‏..‏ ولكنه لا يتغير‏,‏ فكثيرا ما يعاملني برقة وأخرج معه للنزهة فيصرف بسخاء ويحاول دائما كسب رضائي‏..‏ ولكن لا يستمر الوضع طويلا‏,‏ فأراه بعد ذلك كالمارد يصرخ ويضرب ويشتم لأتفه الأسباب في أحيان أخرى‏,‏ وهو مطمئن إلى أني لا أشتكي لأحد من أهله أو أهلي مع العلم أن أمه وكذلك والده وأخوته جميعا يحبونني حبا شديدا ويعاملونني باحترام كبير‏.‏

ثم حدث في الآونة الأخيرة أن كثر اعتداؤه علي بالضرب المبرح على وجهي وبيديه وقدميه لأسباب لا تذكر‏...‏ ونفد صبري‏,‏ وانتظرت بفارغ الصبر عودة أهلي‏,‏ ثم لجأت إليهم وحكيت لهم عن معاناتي معه‏..‏ فأصابهم الذهول الشديد‏..‏ كيف تحملته طوال هذه المدة‏..‏ وغضبوا منه أشد الغضب‏,‏ وبعد مداولات عديدة تدخل فيها أهله جميعا بالاعتذار لي ولأهلي والكثير من الوعود والعهود ألا يعود لمثل هذه الأفعال‏,‏ وتحت إلحاحهم علي وتذكيرهم لي بطفلتي الرضيعة وحقها في الحياة وسط والديها‏..‏ عدت إليه وذكرته من اليوم الأول أنني لن أحتمل منه أي إهانة أخرى أبدا‏,‏ وإن حدث فسوف يكون مصيرنا الطلاق لا محالة‏,‏ فوعدني وأقسم لي أن يعاملني أفضل معاملة‏..‏ ولكن لم تمض أيام حتى عاد لسابق عهده‏,‏ بل أشرس من ذي قبل‏,‏ حيث كان بعد كل نوبة غضب وإهانة وشتم لي ولأهلي وضرب مبرح يهددني بأني إذا أخبرت أحدا فأنا طالق‏!!‏ ثم يعود للاعتذار والوعود والندم‏..‏ الخ‏,‏ وتحملته هذه المرة لمدة‏20‏ يوما فقط‏,‏ ثم حدث أن ضربي ذات مساء ضربا شديدا وأهانني حتى أتنازل له عن جميع حقوقي لكي يطلقني ويطردني شر طردة أنا وابنتي الرضيعة من المنزل في منتصف الليل‏,‏ ومن رحمة ربي أن حضر أبي وخالي في تلك اللحظة‏,‏ وعندما شاهدا ما حدث لي جن جنونهما وأهاناه لأول مرة وأصروا على أن يطلقني ويأخذاني معهما‏..‏ ولكنه رفض وطردهما من المنزل واتصل بالشرطة لطردهما ولكن الشرطة حررت محضر صلح على أن أذهب مع أهلي ليومين حتى تهدأ النفوس بناء على طلبي‏..‏ وقال لي زوجي‏:‏ إن خرجت من المنزل فأنت طالق‏..‏ لكني خرجت بالطبع معهما‏,‏ إذ لم أعد أقوى على تحمل طباعه الشرسة‏..‏ وسافر والدي بعد ذلك مباشرة لمكة المكرمة ولم يعد حتى الآن‏,‏ ومضى على هذا الوضع أكثر من شهرين‏..‏ وهو وأهله جميعا قد تدخلوا في محاولات للصلح ولكني قد فقدت الرغبة والأمل في إصلاحه‏.‏

وفي هذه الفترة سمعت الكثير من النصائح المتناقضة‏..‏ فهناك من يقول لي إنني لابد أن أسامح وأعطيه فرصة أخيرة من أجل طفلتي الرضيعة التي لا يزيد عمرها الآن على 8‏ أشهر‏,‏ ولكن بعد أن آخذ الضمانات عليه‏.‏ وهناك من يقول لي إنه لا أمل فيه ولابد لي من الانفصال عنه‏..‏ وأن طبعه لن يتغير أبدا‏.‏ حيث كان دائما يقول لي عندما أعاتبه على ضربي المبرح‏ (‏إن الضرب مذكور في القرآن‏)!!!‏ وأنا آبى أن أضرب أو أهان‏,‏ وأريد أن أعيش في ود وحب وسلام وهدوء‏,‏ فهل هذا مستحيل؟؟
وأغلب ظني أن هذا الزواج ـ حتى لو سامحته وعدت إليه ـ لن يستمر طويلا‏..‏ ولهذا فأنا حائرة لا أدري ماذا أفعل لأنني قليلة الخبرة بحكم سني‏..‏ وأرجو أن أجد لديك الرأي السديد الذي ينتشلني من حيرتي ويضيء لي الطريق الصحيح‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏ 

أخطأت يا سيدتي بعدولك عن قرار تأجيل الإنجاب إلى أن تتضح لك معالم شخصية زوجك‏,‏ خاصة أن هذه الشخصية قد تبدت لك مؤشراتها المزعجة منذ الأيام الأولى للزواج فصفعك بقسوة ولم يمض على زواجك منه أسبوع واحد‏..‏ وبرر لك هذا التصرف الحيواني بعذر أقبح من الذنب وهو أنه للتسلية‏!‏ ثم واصل عدوانه عليك بعد ذلك وإهانتك وسبك لأتفه الأسباب إلى ما لا نهاية‏,‏ فكيف لم تتوجسي من سوء عشرته وقد ظهرت لك بوادرها جلية منذ الأيام الأولى للزواج؟‏..‏ وما معني اعتياده لإيذائك جسديا ومعنويا منذ البداية المبكرة إلا أن يكون سيئ العشرة أو مضطرب الأعصاب والأفكار؟

إن الضرب الذي يتعلل بأنه مذكور في القرآن لكي يبرر به همجيته معك له شروطه التي تكاد تجعل منه أمرا مستحيلا‏..‏ ذلك أنه خطوة على طريق الإصلاح تسبقها خطوات تبدأ بنصح الزوجة وإرشادها ومحاولة إقناعها بالحسنى بإحسان عشرة زوجها وعدم الخروج على طاعته‏,‏ ثم يليها الهجر في الفراش إذا فشل النصح والإرشاد في تقويمها‏,‏ ثم يأتي الضرب الذي يقول عنه أكثر الفقهاء إنه للإعلام وليس للإيلام‏..‏ أي لإبلاغ الزوجة أنها قد بلغت المرحلة الثالثة من النشوز ولم تبق بعد ذلك إلا خطوة التحكيم ــ ثم الانفصال‏,‏ ولأنه للإعلام وليس للإيلام‏,‏ فلقد أجازه الفقهاء بالسواك‏..‏ واشترطوا ألا يقبح الوجه وألا يكون مبرحا وأن يكون بنية الإصلاح وأن يكون هناك أمل راجح في الإصلاح من ورائه‏,‏ وإلا فإنه لا يجوز‏,‏ وكل هذه الشروط لم تتوافر في حالتك‏,‏ فكيف أباحه زوجك لنفسه؟ وإذا كان قد عرف أن الضرب مذكور في القرآن فلماذا لم يعرف أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روت عنه السيدة عائشة رضي الله عنها لم يضرب امرأة قط ولا خادما‏,‏ ولم يرفع يدا على أحد إلا أن يكون جهادا في سبيل الله؟ ولماذا لم يعرف أنه أوصانا صلى الله عليه وسلم بالنساء وقال‏:‏ خيركم خيركم لأهله وأنا خير الناس لأهلي.
 
إنك محقة يا سيدتي في حيرتك أمام النصائح المتناقضة التي تنصحك بالعودة إليه ومنحه فرصة ثانية حرصا على سعادة طفلتك‏,‏ وبين النصائح التي لا ترى أملا في تقويم هذا الزوج وإحسانه لعشرته لك‏ .. خاصة أنه قد وعدك مرارا عقب كل خلاف بأن يغير من نفسه ثم لا يلبث أن يعود إلى سيرته الأولى .. والحق أنه لو لم تكن طفلتك الوليدة قد جاءت إلى الحياة وأصبحت طرفا لا يجوز تجاهله في هذه المشكلة لما ترددت في نصحك بألا ترجعي إليه وبأن تتمسكي برغبتك في الانفصال عنه‏,‏ لكن الأمر يختلف للأسف بعد مجيء الطفلة من عالم الغيب‏..‏ فإذا أردت أن تبرئي ذمتك من أية مسئولية إنسانية عن مصير هذه الطفلة البريئة‏..‏ فحاولي أن تمنحي زوجك فرصة ثانية وأخيرة‏,‏ طلبا لأمان هذه الطفلة وسعادتها قبل أي اعتبار آخر‏..‏ وبشرط أن يعلن زوجك أمام الجميع اعترافه بأخطائه السابقة وندمه عليها‏,‏ وعزمه الصادق على أن يبدأ معك صفحة جديدة قائمة على حسن العشرة والاحترام الكامل والامتناع المطلق عن كل إيذاء جسدي أو معنوي لك‏,‏ فإن استجاب لشياطينه مرة أخرى واعتدى عليك بالضرب والسب والاهانة‏.‏ فلا تتسامحي معه مرة أخرى ولا تترددي في الانفصال عنه أيا كانت العواقب والتبعات!

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات