نور الظلام .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004
لقد قالت الأميرة الفرعونية أمينيريس للأميرة الأسيرة في أوبرا عايدة: إن الزمن كفيل بمداواة الجراح .. والحب أكثر قدرة على ذلك، وهذا صحيح بالفعل ولقد صدق هذا في هذه القصة .. فكان الحب أكثر قدرة على مداواة الجراح والصمود للمصاعب من الزمن نفسه.
عبد الوهاب مطاوع
أنا سيدة
عمري 35 عاما.. تقدم لي وأنا في العشرين من عمري شاب طالبا يدي ورحبت به..
لكن أهله عارضوا اختياره لي لأنني أعاني من إعاقة قديمة في قدمي من أثر الإصابة
بشلل الأطفال. وتمسك بي ـ هوـ أكرمه الله وأصر على خطبتي وتخلى في سبيل ذلك عن
مساعدة الأهل له, وضحى بالشقة المخصصة لزواجه في بيت أبيه من أجلي, وتحمل
حرمان أهله له من أية مساعدة في الشبكة والمهر, واستمرت الخطبة عامين تمكننا
خلالهما من الإعداد لزواجنا, وتعمقت المشاعر بيننا وتزوجنا وسعدنا بحياتنا
معا.. وأغدقت عليه طوفانا من الحب والمشاعر وبادلني هو حبا بحب أكبر, وأنجبنا
بنتا ثم ولدا اكتملت بهما سعادتنا.. ثم ظهرت في حياتنا مشكلة كدرت علينا صفونا
إذ تعرضنا لمشكلة تتعلق بالشقة التي تزوجنا فيها, وأصبح لزاما علينا أن نخليها
ونبحث عن مأوى آخر لنا.. فقررت بيع كل ما أملك من مصوغات ذهبية وأثاث وأجهزة
منزلية لكي أدبر شقة أخرى في المدينة التي نقيم فيها.. وبعت كل ذلك بالفعل,
فهل تدري من كان المشتري له؟.
لقد كان أبي وأمي, فقد اشتريا أشياءنا وقدما لنا الثمن, ورفضا أو رفض أبي على
الأصح أن يعينني وهو القادر ماديا على توفير سكن لنا بغير أن يحصل على مقابل..
وقبلت ذلك, وانتقلنا أنا وزوجي وأولادي إلى المسكن الجديد وأقمنا فيه بلا أثاث
وكنا ننام على مرتبة فوق السجادة, وبالرغم من ذلك كنا في قمة السعادة بحياتنا
معا وبأبنائنا .. غير أن الحياة لم ترض لنا حتى بهذا المأوى الخالي من الأثاث,
واكتشفنا أن من باع لنا الشقة لم يكن صاحبها الأصلي وأننا وقعنا ضحية لعملية نصب
سامح الله من دبروها لنا.. وأصبحنا مطالبين بترك الشقة والبحث عن مأوى جديد
واضطررنا إلى إخلاء الشقة وتسليمها لأصحابها وخرجنا إلى الشارع أنا وزوجي وأبنائي
لا نعرف إلى أين نذهب أو إلى أين نتجه, ولم يرق لنا قلب أبي وأمي وفشلت كل
محاولاتي معهما لكي يساعدانا على تدبير سكن آخر لنا أو يقبلا استضافتنا لديهما
مؤقتا حتى نجد المأوى, وفشلت كذلك محاولات زوجي مع أهله في أن يحصل منهم على أي
عون, فالكل يريدون لنا أن ننفصل, ويرجع كل منا إلى أهله كشرط لمساعدتنا,
لكننا لم نقبل هذا الشرط القاسي وتمسك كل منا بالآخر مهما كانت العواقب, وأمضينا
عدة ساعات في الشارع بلا مأوى إلى أن تعطف علينا أبي في النهاية وسمح لنا بالإقامة
في بيت مهجور مهدم يملكه في أحد أطراف المدينة التي نقيم فيها. وقبلنا ذلك
شاكرين
وتوجهنا إليه, فوجدناه عبارة عن جدران منهارة وبلا سقف ولا ماء ولا كهرباء..
فأعاننا الله على أن نقوم بتغطية جزء منه بما يشبه السقف من الخشب.. وأقمنا فيه
وكنا نحصل على حاجتنا من الماء من الجيران.. ونستضيء بلمبة جاز.. نصحح على
ضوئها الشاحب كراريس التلاميذ, وأنا وزوجي مدرسان.. وتحملنا هذا العناء صابرين
وكنا نهون الأمر على أنفسنا بأننا مادمنا معا ويحب كل منا الآخر, وأبناؤنا بخير
فإن كل شيء يهون بعد ذلك.. غير أن شيئا واحدا نغص علينا حياتنا وأثار فزعي أنا
على وجه الخصوص هو الفئران التي تنتشر في المبنى المهدم إلى جانب الخوف من
الثعابين.. وشكوت حالي لأمي.. ونقلت شكواي لأبي فجاء لزيارتنا, فما أن رأيته
مقبلا نحونا ومعه جوال يمسك به في يده حتى فرحت فرحا شديدا, وأيقنت أنه قد جاء
ليرحمني من هذه الظروف القاسية.. ولم أتوقف أمام تعجبي من الجوال القديم الذي
يمسك به ورحبت به بحرارة, وقام هو بفتح الجوال, فإذا بقطة تخرج منه وتجري بين
أكوام الحجارة والتراب التي تملأ البيت!
فلقد كانت كل مساعدة أبي لي في هذه الظروف القاسية التي أعيشها أنا وزوجي وأولادي
هي إحضار قطة لي لكي تطارد الفئران وتبعدها عني, ولم أتمالك نفسي وانفجرت في
البكاء! وانصرف أبي مشكورا ـ بالرغم من ذلك ـ مني ومن زوجي, ونحن نتعجب لما
تفعل بنا الحياة, ومرت الأيام ودخل الشتاء ولسوء حظنا كان شتاء قاسيا غزير
الأمطار في محافظتنا فعانينا الأمرين من المطر الذي ينزل على رءوسنا كالسيل حتى
كنا نغطي أنفسنا خلال النوم بمفرش قديم من البلاستيك.. وكل ذلك بغير أن يرق لنا
قلب أبي أو والد زوجي.. الأول لقسوته وبخله, والثاني لعدم رضاه عن زواج ابنه
من معاقة مثلي.
وبالرغم من كل ذلك فلقد صمدنا لكل المصاعب والعقبات وتحملنا كل شيء لكيلا يفرق
بيننا أحد, وعشنا في هذه الخرابة ثلاثة عشر شهرا كاملة كانت من أقسى فترات العمر..
ثم رزقنا الله سبحانه وتعالى بشقة من شقق المحافظة حصلنا عليها تقديرا لظروفنا
القاسية, وفرحنا بها فرحة طاغية.. وانتقلنا إليها فكانت فرحتنا بأن نحيا في
مكان له سقف وجدران وبه ماء وكهرباء وباب خارجي يغلق علينا أكبر من أن توصف..
وكان أول ما فعلناه بعد أن انتقلنا إليها أن أديت أنا وزوجي صلاة شكر لله تعالى
الذي آوانا في هذا المكان.. وأعاننا على تحمل قسوة الأيام الماضية بغير أن ييأس
أحدنا من روح الله.. أو يفكر في الاستسلام لضغوط الأهل علينا للانفصال وعودة كل
منا لأسرته.
وعرفت النوم العميق لأول مرة منذ انتقلت للخرابة, حيث كنت أنام نوما مضطربا
متقطعا خوفا من الفئران والحيات.. وتحسنت صحة الأولاد بالإقامة في الشقة الصحية
التي تدخلها الشمس والهواء.. واطمأن بال زوجي وواصلنا العمل بإخلاص وأعطانا الله
من رزقه فبدأنا نؤثث الشقة قطعة وراء قطعة, وكلما اشترينا قطعة أثاث جديدة سعدنا
بها كثيرا كأننا قد ملكنا الدنيا وما فيها.. إلى أن تم تأثيث الشقة بالحد الأدنى
المقبول من الأثاث, غير أن الأيام لم تترفق بنا بالرغم مما تحملناه من أكدارها
من قبل, فلقد تعرضت لحادث سيارة أصبت فيه بكسور في ساقي السليمة, وفي ساقي الأخرى
الضعيفة من الأصل, ووضع الأطباء نصفي الأسفل في الجبس لمدة ثمانية أشهر
طويلة.. ثم خضعت للعلاج الطبيعي بعد فكه لمدة 14 شهرا أخرى حتى أتممت العلاج
وانتهت المحنة الجديدة التي استغرقت ما يقرب من عامين من عمري, ولقد تأثرت أمي
بعض الشيء بما تعرضت له في هذا الحادث, أما أبي فلم يتأثر على الإطلاق! ولم
يزرني طوال هذين العامين إلا مرة واحدة وجاءني فيها ويداه خاليتان من أية هدية أو
علبة شيكولاته .. أو كيلو من البرتقال.
وخرجت من هذه المحنة بأثر تخلف في قدمي ليضاف إلى إصابتي القديمة, والحمد لله على
كل حال..
وعدت إلى عملي وواصلت حياتي ورعايتي لأولادي وزوجي.. وكلما استرجعت ما مر بي من
معاناة, تذكرت أن الله سبحانه وتعالى قد عوضني بأبنائي وزوجي الذي أحبه ويحبني
ويجمع بيننا الود والإخلاص, وحمدت الله على كل شيء وواصل زوجي عمله وواصلت عملي
وكلما وجدت في يدي جنيها زائدا عن حاجتنا ونفقاتنا ادخرته لغرض حلمت به, وهو أن
أنجح ذات يوم في الحصول على شقة أوسع وفي موقع أفضل لتكون شقة العمر لنا ونتصرف في
شقتنا الصغيرة لصالحنا.. ومضت الشهور والأعوام ورزقني الله من فضله وتمكنت
بالفعل من الحصول على شقة أوسع في برج سكني في أحسن موقع بالمحافظة التي نقيم
بها.
ومن عجائب المصادفات أن ذلك قد حدث في نفس الوقت الذي انتهى فيه أبي من بناء
عمارته الجديدة التي سيقيم بها.. وكان أول طلب له منا نحن بناته المتزوجات هو
ألا تدخل أحدانا هذه العمارة الجديدة, لأنه كما قال رجل مسن ولا يتحمل زيارة أحد
له, خاصة إذا كان مصحوبا بالأطفال!
إنني لا أكتب
لك يا سيدي شاكية أبي غفر الله له.. لكني أكتب لك طالبة منك ومن قرائك أن تدعوا
الله أن يحفظ زوجي ويمتعه بالصحة والعافية وطول العمر.. فلقد كان النور الوحيد
في الظلام الدامس الذي عشت فيه معظم السنوات الماضية, كما أطلب منك أيضا أن تبحث
لي بين قرائك عن أب وأم بديلين بعد أن تعذر علي أن أنعم بأبوي الطبيعيين, فكل
ابنة مهما كبرت وتزوجت وأنجبت تحتاج إلى أب يهتم بأمرها وأم تترفق بها وتشير
عليها, ولست أريد ممن تختارهما لي سوى أن يسألا عني في المناسبات ويرفعا سماعة
التليفون ليتصلا بي من حين لآخر ويطمئنا علي وأطمئن عليهما وأهتم بأمرهما..
وأدعوهما لقضاء أجازة العيد لدينا.. ولا غرابة في ذلك لأن مشاعري كإبنة قوية جدا
وتحتاج لأبوين ولو كانا بديلين لكي تتجه إليهما فهل تساعدني؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
تذكرت وأنا أقرأ رسالتك كلمة حكيمة للأديب الفرنسي الذي عاش في القرن السابع عشر واشتهر بنظم الحكم والأمثال فرانسوا لاروشفوكو وهي كلمة يقول فيها, النسمة الخفيفة التي تطفيء الشمعة هي نفسها التي تذكي النار, وكذلك الفراق فإنه يقتل الحب التافه ويغذي الحب العظيم!أما لماذا تذكرتها فلأنني قد استبدلت في ذهني وأنا استرجعها بكلمة الفراق كلمة المصاعب.. فوجدتها تنطبق تماما على قصتك, أو بمعنى أصح على ملحمة العناء والحرمان التي عشتها طوال السنوات القاسية السابقة, فلقد أذكت المتاعب والصعوبات جذوة الحب الذي يجمع بينك وبين زوجك كما تذكي النسمة الخفيفة النار, فأصبح كل منكما أكثر قربا من الآخر وأكثر تمسكا به واحتماء به من الأنواء والعواصف. ليس هذا فقط, وإنما أعطت هذه الصعوبات أيضا لارتباطكما بعدا أعمق وقيمة أثمن هي قيمة التضحية والصبر على أصعب الظروف من أجل من يحب المرء ولو تحمل في سبيل ذلك العناء الذي لا يطاق, وبحيث يصبح عبثا من العبث أن يتخلى أحدهما عن الآخر ذات يوم بعدما تجرع كئوس العناء حرصا عليه واختيارا له.. ولا عجب في ذلك لأنه حب عظيم بالفعل يصمد للمتاعب والضغوط ولا يستسلم أمامها ولا ينفرط عقده أبدا بإذن الله.
لقد قالت الأميرة الفرعونية أمينيريس للأميرة الأسيرة في أوبرا عايدة: إن الزمن كفيل بمداواة الجراح.. والحب أكثر قدرة على ذلك, وهذا صحيح بالفعل ولقد صدق في قصتك أيضا فكان الحب أكثر قدرة على مداواة الجراح والصمود للمصاعب من الزمن نفسه.
غير أني تعجبت كثيرا لموقف أبيك منك ولم أستطيع تفسيره حتى بعد قولك عنه إنه اتخذ موقفه منك لقسوته وبخله.. ذلك أنني قد فسرت أسباب تخلي أبوي زوجك عن مساعدته في زواجه بأنهما لم يرضيا له الزواج منك لظروفك الصحية.. ومع أن هذا السبب وحده كان ينبغي له أن يزول بمجرد زواجه وإنجابه منك, وكان عليهما ألا يتخليا عنه وهو يواجه أشق الظروف إذا كانا قادرين على مساعدته ـ فإنني في النهاية أستطيع فهم موقفهما الخاطيء منكما أما موقف أبيك منك فبأي شيء يمكن تفسيره وفهمه, وهو الذي كان ينبغي له أن يمد يد العون لزوجك وييسر عليه وعليك ما يعترضكما من صعاب بعد أن تمسك الرجل بك وأصر على الارتباط بك رغم اعتراض أهله.
وهل يكفي البخل وحده لكي يدفع أبا مثله لأن يقبض يده عن إعانتك على أمرك حتى وأنت تقفين في العراء انتظارا لإيجاد سقف يظللك ويظل أبناءك وزوجك؟
وهل غاية ما يملكه أب قادر ماديا لإعانة ابنته ذات الظروف الصحية الخاصة هو أن يشتري أثاث بيتها وأجهزتها المنزلية لتدبر بثمنها مأوى آخر لها.. فإذا فقدت هذا المأوى البديل واضطرت للإقامة في بيت مهدم بلا سقف يكون أقصى عطائه لها هو قطة تلاحق الفئران التي تخيفها وتقض مضجعها؟!
أية أبوة وأية قلوب صخرية هذه؟
لقد فهمت من رسالتك أن والدتك لا تملك له شيئا ولهذا فهي لا تعترض على ما يفعل.. لكني أعتقد أن واجبها كان يفرض عليها أن تبذل جهدا أكبر معه لإقناعه بمد يد العون لك حين كنت في أشد الحاجة إليه, حتى ولو اكتفى بأن يقدم عونه على شكل قروض تردينها أنت وزوجك إليه حين تستطيعان ذلك, وحتى ولو استمضاك أو استمضى زوجك على أوراق تضمن له سداد هذه القروض.
ولم يكن ليخسر الكثير لو كان قد فعل ذلك وصبر على دينه بضعة أعوام.. فلقد نجحتما في النهاية في دفع مقدم الشقة الأوسع في البرج السكني, وبالتالي فلقد كان في مقدوركما أن تسددا له دينه, لكن ماذا نقول لأب تصاب ابنته ذات الظروف الخاصة في حادث سيارة وتخضع للعلاج لما يقرب العامين فلا يزورها خلالهما إلا مرة واحدة.. ويذهب إليها في هذه الزيارة اليتيمة ويده بيضاء من غير سوء!
يا سيدتي لتهنأ لك ولزوجك الحياة, فلقد كان ومازال بالفعل النور الذي يبدد ظلمات حياتك, وثقي من أن الله سبحانه وتعالى الذي أعانكما بقدرته وحده سبحانه على ظروفكما القاسية سوف يكلأكما على الدوام برعايته, ولسوف يحفظ عليك زوجك وأبناءك ويمتعكم جميعا بأثمن ما في الحياة وهو راحة القلب والصحبة الطيبة التي يفوح منها عطر الحب والعطف والتراحم, ولاشك في أن كثيرين من القراء يشاركونني هذه الأمنيات الصادقة لكما, أما الأبوان البديلان اللذان تبحثين عنهما فإني أرحب بأن أعرفك بمن يرغب من الفضلاء والفضليات في التواصل الإنساني معك ومع زوجك وتبادل المودة والاتصال معكما إن شاء الله.
ناهد السمرة
رسالة من بريد الجمعة للأستاذ أحمد البري سنة 2014 من كاتبة الرسالة الاصلية
أنا صاحبة رسالة «نور الظلام» التي بعثتها إلى الأستاذ الراحل عبد الوهاب مطاوع، ونشرها ضمن رسائله الأخيرة رحمه الله، وقد تناولت فيها قسوة الأب والأم وصعوبة الحياة التي عانيت فيها الكثير، وطلبت في نهايتها أبا وأما بديلين، وتفضل بنشر قصتي، واختارتني أمي ناهد السمرة هي وزوجها لكي تصبح لي أما فوجدتها نعم الأم، فلقد عشت معها الأمومة الحقيقية، والحب والعطف، عشت في كنفها حياة جميلة خالية من أي مصالح، ووجدت أمي ناهد سيدة رائعة بكل المعاني تفرح لفرحي فوق ما يتخيل الآخرون، وتبكى لحزني وتظل صامتة، وتكتم أحزانها في داخلها حتى لا أتألم لحزنها، فصارت أمي الحقيقية وليست البديلة، وحرصت على أن تكون كل شيء في حياتي بعد زواجي، ولم يمر عيد واحد إلا وهى معي، فتسعدنا وتسعد أولادي بلمساتها الرقيقة، وطيبتها التي لا حدود لها.
ومرت الأيام ومات زوجها، وحزنت كثيرا لفراقه،
فلم أتركها وحدها، وكنت معها على الدوام، وها هي أمي ناهد السمرة ترحل عن الحياة،
ولقد كانت بيضاء القلب والبشرة، ولم تكن الأم التي ولدتني، ولا حتى التي ربتني،
ولكنها الأم التي أسعدتني، وأدخلت الفرحة إلى قلوب أسرتي الصغيرة.
إنهم يقولون دائما: إن الأم هي التي ربت، وليست التي أنجبت، ولكن أمي
ناهد كانت نوعا ثالثا من الأمومة، فهي الأم التي أسعدتني وتأثرت بحالي، وبكت كثيرا
من أجلى.. لقد جعلتني أبتسم للحياة، وأرجو أن أكون قد أسعدتها أيضا، وأن تكون
راضية عني.. والآن أكتب إليك هذه الكلمات، وأنا افتقد أمي، فلأول مرة منذ أن
عرفتها أجدني غير قادرة على الوصول إليها، وإنني من منبرك هذا عرفت أمي، ومنه
أودعها، نعم أودع أمي التي جعلتني أشعر بطعم الحياة، أودع الحنان، والعطف، أودع كل
لحظة جميلة عشتها معها، وأطلب منك ومن قرائك الذين ينتشرون في كل بقاع الأرض
الدعاء لها بالرحمة والمغفرة وأن يعينني الله على فراقها، ولكم منى المحبة والسلام .
ولكاتبة هذه
الرسالة أقول:
ما أعظم الوفاء يا سيدتي، فكأني أقرأ رسالتك لأول مرة، مع أنى
عايشت أحداثها مع الراحل الكبير عبد الوهاب مطاوع، وقد وقع اختياره على السيدة
ناهد السمرة من بين عشرات الاستجابات التي طلب أصحابها أن يكونوا لك آباء وأمهات،
وأن يتواصلوا معك، فلقد كلفنى وقتها بدراسة كل العروض المقدمة للتواصل معك، وأن
أرشح له أربعة فقط من بينها، وكانت السيدة ناهد السمرة صاحبة واحد من هذه العروض،
وما إن نظر إلى أوراق من اخترتهم، حتى اختار هذه السيدة العظيمة بحسه الإنساني
الجميل، وكانت نظرته ثاقبة، فلقد أحسن الاختيار، وكانت رؤيته لك أنك نقية نقاء لا
يتوافر للكثيرين. رحم الله الأستاذ عبدا لوهاب مطاوع، ورحم السيدة ناهد وزوجها،
وأثاب الجميع من فضله وكرمه، وأهلا بك صديقة دائمة لبريد الأهرام.
الجمعة 20 من صفر 1436 هــ 12 ديسمبر 2014م
بقلم الأستاذ / أحمد البري
الرابط
الأصلي لرسالة ناهد السمرة من موقع جريدة الأهرام
https://gate.ahram.org.eg/daily/News/346905.aspx
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي
رشحها للنشر / علا عثمان

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر