أيام مسروقة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2004
أنا شاب أبلغ من العمر 24 عاما , نشأت في أسرة بسيطة واقتضت ظروفي العائلية أن اخرج
للعمل منذ سن الثامنة.. فعملت كل صيف في إحدى المهن كصبي, لكي أستطيع مواصلة
تعليمي .. وعملت في بعض السنوات خلال الدراسة فكنت أغادر المدرسة إلى العمل
مباشرة ولا أرجع إلى البيت إلا في العاشرة مساء, لكي أتزود ببعض الطعام وأنام
كالقتيل.
وظل الحال على هذا النحو
حتى عملت منذ عدة سنوات في شركة تجارية صغيرة, وبدأت فيها من البداية صغيرا..
ثم تقدمت وازداد اعتماد صاحب العمل علي تدريجيا حتى أصبحت بمثابة نائبه أو وكيله
في أداء الأعمال التجارية التي يكلفني بها.. ثم رحل صاحب العمل عن الحياة منذ
عامين فجأة, وترك كل شيء في يدي.. وحزنت على رحيله حزنا شديدا.. ووجدت أنني
استطيع إذا أردت أن أخفي بعض الأموال التي لا يعلم أحد عنها شيئا سواي, وأن أظهر
البعض الآخر.. لكني خشيت الله سبحانه وتعالى وقررت ألا أخون الأمانة وألا أمد
يدي إلى حرام.
وبعد انتهاء المراسم
الحزينة بأيام ذهبت إلى بيت صاحب العمل والتقيت بأرملته وقدمت لها كل ما
لدي من مال وأوراق ومستندات تخص العمل, ومن بينها كمبيالات على بعض العملاء.. وشكرتني السيدة كثيرا
وامتدحت أمانتي وطلبت مني الاستمرار في العمل واعتبار نفسي المسئول عنه, ومداومة
الاتصال بها وزيارتها كل يوم لإبلاغها بنتائج العمل ومشاكله.. ورحبت بذلك,
وعدت لمواصلة عملي وقد أصبحت المسئول الأول عنه.. ووفقني الله في الحفاظ على
عجلة العمل دائرة, وفي تحصيل بعض الديون من بعض العملاء, وفي تصريف بعض
البضائع الراكدة منذ فترة.. واطلعت أرملة صاحب العمل على كل ذلك فسعدت به كثيرا
وأثنت على همتي ودعت لي بالخير, وابتهاجا بهذه الأخبار السعيدة دعتني لتناول
الغداء معها ومع أطفالها يوم الجمعة التالي, وذهبت إليها في الموعد المحدد,
فشممت رائحة البخور المعطرة تفوح من الشقة.. ودخلت فوجدتها في أبهي صورة,
واستقبلتني بابتسامة ساحرة, وقدمت لي عصير البرتقال, وجلسنا في الانتريه بعض
الوقت نتحدث ونتسامر ونداعب أطفالها الذين يمرحون حولنا, ثم انتقلنا إلى مائدة
الغداء التي أعدتها السيدة التي تدير شئون البيت, واستمتعنا بأكلة شهية وتواصل
الحديث بيننا على المائدة بلا انقطاع, وكادت الجلسة تمضي عادية لولا شيء واحد
أعطاني مؤشرا مهما.. فلقد أمسكت السيدة بقطعة من اللحم ووضعتها بيدها في فمي.
وابتسمت.. فرددت على
ابتسامتها بمثلها, وأدركت أو تأكدت مما كنت أشك فيه قبل أسابيع, وهو أن هذه
السيدة تفكر في كرجل .. وليس فقط كمدير لعملها التجاري, وسعدت بذلك في قريرة
نفسي, لكني لم أقدم على أية خطوة على طريق الاقتراب منها لعلمي أنها تكبرني
بثلاثة عشر عاما, ولخوفي من أن يسئ البعض, خاصة أقاربها وأقارب زوجها الظن بي
ويتصوروا أنني طامع في مالها, كما أن أبي وأمي لن يرحبا أبدا بزواجي من أرملة
تكبرني في السن وذات أبناء ولو كانت من اغني الأغنياء.
وهكذا واصلت العمل والدراسة
وكنت قد بلغت السنة النهائية من دراستي الجامعية.. وانشغلت بالمذاكرة
والامتحانات, فتخلفت عن زيارة صاحبة العمل عدة مرات, واعتذرت لها بمشاغلي,
وظهرت النتيجة وحصلت على شهادتي ففوجئت بها تقدم لي ساعة ثمينة هدية النجاح
وتدعوني من جديد للغداء, وتكرر ما حدث في الدعوة السابقة.. لكن شيئا جديدا قد
طرأ, هو أنها دخلت الحمام وتركتني وحيدا في الانتريه لفترة طويلة, فجاءت
السيدة التي تعمل لديها بالشاي ووضعته أمامي ثم نظرت إلي نظرة معبرة وسألتني
بطريقة مباشرة: لماذا لا تطلب يد السيدة فلانة ؟!.. وهي الجمال كله والأدب كله
والأخلاق كلها, وذهلت لما سمعت وترددت في الإجابة, ثم قلت لها إنني شاب عمري24
سنة وخريج جديد لم يحصل على عمل رسمي بعد, وظروفي المادية سيئة, فبأي شيء
أتقدم لمثل السيدة فلانة؟.
فرمقني بنظرة جانبية وقالت
: بشبابك.. ومستقبلك.. وأمانتك! تتقدم ولا تحمل هم الأعباء المادية لأننا
لن نكلفك شيئا .. أو دعني أتحدث باسمك حين تخرج السيدة من الحمام وأعلنها برغبتك
فيها!.
وسكت موافقا, وجاءت
السيدة فقابلتها مديرة البيت بزغرودة, وأعلنتها أن هذا الشاب الخجول يطلب يدها
على سنة الله ورسوله, لكنه يخشى ألا تقبلي به لظروفه.. فأشادت السيدة بأخلاقي
وكيف أنها لا تقدر بمال الأرض وأعلنت موافقتها على الفور.. وبدأنا بعد ذلك الحديث في
التفاصيل وحددنا موعدا لعقد القران بعد أيام, وطلبت منها شيئا واحدا هو أن نتكتم
هذا الزواج عن أهلي, لأن أبي وأمي لن يوافقا عليه ولن يدعاني لحال سبيلي إذا
علما به.
وطلبت هي أن نتكتم الزواج
عن أهل زوجها الراحل لكيلا يثيروا لها المتاعب خاصة بالنسبة لأولادها, واتفقنا
على ألا يعلم به إلا أخوتها ووالدتها.
وبدأت حياتي الزوجية معها..
وغرقت في طوفان عاطفتها وشوقها, وأصبحت أتناول الغداء معها كل يوم وأرجع للعمل
وأعود إليها في المساء لقضاء السهرة, وارجع للبيت في منتصف الليل واعتذر لأمي
وأبي بالعمل, أو أزعم لأمي أنني سأتسلم بضاعة طوال الليل, وأقضي الليل مع
زوجتي.
وبالرغم من المجهود الذي
ابذله في العمل فلقد تحسنت صحتي.. وازداد وزني.. بفضل التغذية الجيدة والسعادة,
فأنا أحب زوجتي وحريص عليها وهي تحبني حبا كبيرا وتعتبرني هدية السماء لها, وأنا
سعيد معها وأتفجر حماسا للعمل.. وأصبحت احصل على نسبة 5% من أرباحه إلى جانب
مرتبي مقابل إدارتي له.. وجرت النقود في يدي وأصبح يتوافر لدي لأول مرة أكثر من
احتياجاتي, وأعطيت أمي مائتي جنيه هدية لها فسعدت بها كثيرا.. شيء واحد فقط
ينغص علي هذه السعادة هو خوفي من أن يعلم أبي وأمي بزواجي من السيدة التي أدير
تجارتها, خاصة أمي.. لأن أبي يمكن بعد ثورته الأولى وسخطه أن أتفاهم معه,
أما أمي فلن يهدأ لها بال إذا علمت إلا بعد أن ترغمني على طلاقها, وترك العمل
معها وتحرم علي رؤيتها, لأنها كأي أم تريد لابنها أن يتزوج فتاة بكرا وأصغر منه,
وليست أرملة تكبره بـ 13 عاما ولديها ثلاثة أبناء.. وأنا أعرف عن نفسي أنني لن
أتحمل غضب أمي علي, إذا غضبت وأفكر في اليوم الذي ستنفجر فيه المشكلة وأدعو الله
أن يبعده إلى أقصي حد ممكن.. وأن يؤجل المتاعب لأجل بعيد.
ولكن إلى متى سأظل خائفا أتلفت
حولي كالمشبوه وأنا أتسلل إلى بيت زوجتي.. أو أغادره في الليل؟
وماذا تقترح علي أن أفعل
لأتخلص من هذا الخوف الثقيل علما بأنني قد كتبت لزوجتي مؤخر صداق كبيرا لا استطيع
الوفاء به, كما لا استطيع تحمل بقية أعباء الطلاق الذي لا ارغب فيه؟!
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
ماذا فعلت بنفسك أيها الشاب؟ .. لقد تزوجت زواجا محكوما عليه بأن يكون مؤقتا, وأن ينتهي مخلفا وراءه جراحا على الجانبين طال المدى أو قصر, إن لم يكن بسبب زوال غشاوة الرغبة والشوق والاندفاع إلى الارتواء العاطفي بعد حين, فلقد يجئ الانهيار لأسباب خارجية لا يمكن تفاديها إلى الأبد, كثورة الأهل على هذا الزواج غير المتكافئ من كل الوجوه, خاصة أهل الزوج الراحل الذين سيتشككون بالضرورة, ولهم بعض العذر في ذلك, في دوافعك المادية للارتباط بهذه السيدة, وسيتهمونك بالطمع في ثروة الأرملة وأبنائها, وقد ينهضون لمنازعة زوجتك في حضانة الأبناء وحق الوصاية عليهم بعد ظهور رجل غريب في حياة أمهم يخشى منه على ثروة الأبناء ومستقبلهم, خاصة وهو ليس رجلا متوسط العمر مستقرا ماديا وناضجا ويبحث عن الأمان والاستقرار, وإنما شاب طموح يصغر زوجته بـ 13 عاما, فماذا تفعل زوجتك إذا خيرت بين حضانة أبنائها والوصاية عليهم.. وبين التخلي عن هذا الزواج الذي لا تستطيع الدفاع عنه أو تبريره أمام أهل زوجها الراحل؟.هل تراها تضحي بأبنائها من أجلك؟
إن الجواب معروف, ولا يحتاج إلى بيان.. لهذا فإن زواجك هذا هو مهلة مسروقة من الزمن قد تكون لعدة أسابيع وقد تطول بالشهور والسنوات, لكنه في كل الأحوال سوف تمارس قوانين الحياة الطبيعية تأثيرها على كل الأطراف في الوقت المناسب فتكتشف أنت بعد الري والشبع والارتواء انك قد تسرعت في الزواج من هذه السيدة التي تكبرك كثيرا في العمر ومثقلة بأعباء الأبناء, وتكتشف هي أنها قد خرجت على المألوف وتجاهلت الاعتبارات العائلية والاجتماعية العديدة.. فأساءت إلى نفسها وعرضت أبناءها لخطر انتقال حضانتهم والوصاية عليهم لغيرها.. فتندم على انسياقها وراء مشاعرها المحرومة عقب وفاة زوجها وتتمنى لو لم تكن قد ضعفت أمام نداء الرغبة على هذا النحو.
على أية حال فإن بعض الحقيقة خير من أي زيف, كما يقولون, ولا مفر إذا أردت أن تتخلص من الخوف والإحساس الباطني ـ بأنك ترتكب خطأ لا تستطيع مواجهة الآخرين به ـ من مواجهة الحقائق بدلا من الهروب منها وتحمل تبعات المواجهة بشجاعة أيا كانت النتائج, فابدأ بأبيك وصارحه بما فعلت وتحمل ثورته وغضبه.. ثم اطلب منه النصيحة فيما تفعل.. وكن أمينا معه في الحديث عن نفسك ومشاعرك وطموحك وحقيقة رغبتك في هذه السيدة.. وتدبرا معا إذا تقبل أبوك حقيقة زواجك كيفية تخفيف وطأة القصة على والدتك.. واصمد للأعاصير والعواصف والرعود والبروق المتوقعة.. فإذا نجحت في الصمود لهذه الأهوال, فمن يدري ربما تكون الاستثناء من القاعدة وينجح زواجك ويطول عمره بعض الوقت.. قبل أن ينفجر من ناحية الزوجة ومنازعات أهل زوجها معها..
وفي كل الأحوال فإنك أيها الشاب كما قلت لك في البداية راكب قطار سيصل إلى محطته الأخيرة طال الوقت أو قصر, ولو كنت من أهل الحكمة لبادرت أنت على الفور بتصحيح هذا الوضع الذي يخالف قوانين الحياة بدلا من انتظار انهياره المحتوم, وتفاهمت مع زوجتك وديا على الانفصال بلا تبعات مادية مراعاة لظروفك وسابق خدمتك لها, ثم انسحبت من العمل معها وبحثت عن مستقبلك في طريق آخر بلا اجتراء على مخالفة المألوف.. ولا تحد لقوانين الحياة الطبيعية.

· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2004
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر