الصرخات العالية .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999
لا أعرف من أين أبدأ رسالتي هذه إليك.. فأنا شاب موظف أقيم بالقاهرة وأنتمي لأسرة
متراحمة من إحدى محافظات
الجنوب, وقد نشأنا بين أبوين
طيبين وتعلمنا في المدارس والجامعات, وفرقت بيننا شئون الحياة
فتزوجت شقيقتان لي في محافظة أخرى, وانتهت بي الوظيفة بالاستقرار والزواج في القاهرة وبقيت إحدى شقيقاتي مع والدتي في
عاصمة المحافظة التي نشأنا
فيها وعملت هناك بعد تخرجها في
كليتها الجامعية, وارتبطت عاطفيا بشاب طيب من معارف الأسرة
اختار العمل الحر فافتتح لنفسه مكتبا مهنيا في نفس المدينة, وبدأت الأسرة تستعد للاحتفال بتتويج قصة حبهما العميق بالزواج,
وتم الزفاف فلفتت
شقيقتي الأنظار بجمالها الباهر
الذي سخا به الله سبحانه وتعالى عليها, وسعد العروسان
بحياتهما.. وتشاربا الحب الصافي, والمودة المتبادلة طوال14 عاما لم يزعجهما خلالها شيء سوى أن شقيقتي الجميلة هذه لم تشأ
لها العناية الإلهية أن تنجب
بالرغم مما أجريت من عمليات
جراحية وحصلت عليه من علاج, وبالرغم من أن الأطباء بعد آخر جراحة
أجريت لها قد أكدوا لنا أنه لم يعد هناك ما يمنعها الآن من الحمل والإنجاب, وفيما عدا ذلك فلقد مضت حياة شقيقتي وزوجها في سلام,
وتميزت علاقتهما دائما
بالحب والوئام, ولاحظت أنا
شخصيا عليها أنها كلما مضي بها العمر دون إنجاب ازدادت التصاقا
وارتباطا بزوجها وكأنما قد أصبح محور حياتها واهتمامها وكل شيء لها في الحياة, فلا حديث لها معي أو مع والدتها أو إخوتها
إلا عنه.. ولا خطوة أو
عمل تقدم عليه إلا إذا رضي عنه
هو أولا وباركه.
ولقد أدركت والدتي بقلب الأم
عمق ارتباطها بزوجها وخشيت
عليها مما يمكن أن تتعرض له إذا
طرأ على علاقتها به أي طارئ .. واستشعرت أن زوجها لابد
وأنه يتعرض لبعض الضغوط من جانب أهله للزواج مرة أخرى من أجل الإنجاب, وأنه قد يساوره الحنين للأطفال فيقدم على خطوة لا يدرك
فداحة عواقبها على زوجته,
ففاتحته في هذا الأمر على
انفراد وطالبته بأن يصارحها بما إذا كان ينوي الزواج مرة أخرى أم لا,
لكي لا يفاجيء زوجته بخطوة تسلمها للانهيار, وصارحته بأنها تتفهم دوافعه لمثل هذا التفكير لكنها تطلب منه فقط الصراحة لكي
تحمي ابنتها من
المفاجأة, فأكد لها انه لا
يفكر في الزواج وأنه لا يحب الأطفال ولا يسعى إليهم..
واطمأن قلب الأم بعض الشيء,
وبعد أسابيع من هذا الحوار
لقيت وجه ربها واجتمع الأبناء
المشتتون في أنحاء البلاد في بيت الأسرة, ولاحظت أنا أن شقيقتي
المقيمة في بلدتنا بالرغم من حزنها الشديد على أمها, وقد كانت رفيقة وحدتها في السنوات الأخيرة, لا تسمح لحزنها
عليها بأن يشغلها لحظة عن
زوجها المحبوب, وانتهت أيام
العزاء ورجع كل منا إلى بيته وأسرته.. ومضت ثلاثة شهور ثم كنت في
بيتي ذات مساء فإذا بالتليفون يرن رنته الطويلة التي تشير إلى مصدر المكالمة البعيد, وإذا بي ارفع سماعة التليفون فلا
اسمع منها سوى صرخات عالية
ونواح صاخب وكلمات متقطعة لا
أميز منها سوى صوت شقيقتي هذه وهي تقول لي: فلان سيتزوج!
وعرفت بعد جهد جهيد لتهدئتها أن
زوجها الذي تتفاني في
حبه قد صارحها قبل لحظات بأنه
سيتزوج من موظفة شابة بمكتبه وسألها عن رأيها فيها فانهارت
انهيارا كاملا حتى أشفق عليها زوجها وطلب منها إن لم تكن موافقة على هذه الفتاة بالذات أن ترشح له هي زوجة أخرى لأنه كما قال لها
سوف يتزوج لكي ينجب في كل
الأحوال.
ولم أدر بما دار بينهما حينذاك..
لكن ما حدث هو انه قد
تزوج بالفعل من تلك الفتاة بعد
عدة أيام, وأن شقيقتي لم تتقبل الأمر الواقع وانهمرت دموعها
ليل نهار, وعجزت عن النوم لعدة ليال إلى أن كانت جالسة تجتر أحزانها وحيدة في مسكنها ذات أصيل فإذا بها تشعر كما روت
لي فيما بعد وكأن سيخا من
النار يشق ظهرها, فصرخت من
الألم صرخات عالية تجمع على صداها الجيران وهرول إليها زوجها
واصطحبها للطبيب فشخص الحالة على أنها نوبة برد شديدة الوطأة .. وأعطاها حقنة مسكنة للألم ومنومة, فلم تنم ولم يتوقف الألم ولم
تكف عن الصراخ وإنما بدأت
تفقد الإحساس بنصفها الأسفل
وتعجز عن المشي .. وتم إدخالها المستشفى في مدينتها واجتمع الأهل
حولها يخففون عنها.. وتحسنت حالتها بعض الشيء واستردت بعض قدرتها على المشي ببطء شديد, ورجعت إلى منزلها .. فإذا
بحالتها تسوء من جديد وتفقد الإحساس
نهائيا بالنصف الأسفل من جسمها,
وتشكو من فوران غريب للدم يبدأ من رجلها ثم يصعد إلى أعلى جسمها
فيعتصره اعتصارا بالتقلصات التي لا يطيقها بشر, فتصرخ من الألم بلا انقطاع. ثم بدأت رجلها تتورم وعجزت عن الحركة,
والاستلقاء نهائيا على
ظهرها لأن سيخ النار الذي يشقه
يتضاعف ألمه إذا لامس ظهرها الفراش.
وجاءت شقيقتي إلى القاهرة منذ
أسابيع طلبا للعلاج وبعد
جولة عصيبة على الأطباء قال
الطبيب النفسي أن الحالة قد أصبحت عضوية ولم يعد يملك علاجها,
واختلف الأطباء المتخصصون في تشخيص حالتها فمنهم من قال أن لديها مرضا نادرا واسمه دي. إ. سي ومنهم من قال أنها مصابة
بتصلب متناثر بالجهاز
العصبي, ومنهم من قال أن
علاجها ممكن بالحقن لكنه يتكلف900 جنيه أسبوعيا لمدة عام كامل.
وهي حقن غير متوافرة حاليا في مصر.
ولقد أدخلناها مستشفي عين شمس
التخصصي أسبوعا تكلف أكثر
من ألفي جنيه دون جدوى.
وهي الآن مقيمة في بيتي
بالقاهرة نصف مشلولة لا تقدر على
المشي لا تستطيع أن تفرد ظهرها
على فراش ولا تتحكم في الإخراج بسبب فقد الإحساس بالنصف الأسفل
من الجسم..وتمضي النهار والليل جالسة متكئة على أحد جانبيها والتقلصات الرهيبة تعتصر جسمها فتطلق صرخاتها العالية
باستمرار وتحتاج إلى مرافق
بصفة دائمة.. وكلما أحضرت لها
مرافقة لم تحتمل صرخاتها المستمرة وخدمتها وتركتنا..
والجيران الذين تؤرقهم صرخاتها في الليل يدعون لها الله سبحانه وتعالى أن يسكن آلامها ويتعجبون حين يعرفون أن مصدر هذه الصرخات
هو شابة باهرة الجمال في
سن السابعة والثلاثين من عمرها..
ولقد عرض زوجها أن يطلقها إذا كان في ذلك شفاؤها,
لكنها ترفض الطلاق وتتمسك بالأمل في الشفاء.. وأنا حائر معها ومتألم من أجلها ولا أعرف ماذا أفعل لقد قيل لي أن لمثل حالتها
هذه علاجا في الخارج وأنا
موظف وهي موظفة ولا نتحمل
تكاليفه.. فهل من أمل في قرار إنساني بعلاجها في الخارج وماذا
أفعل معها لكي أخفف عنها بعض هذه الآلام القاسية ؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
يا إلهي كل هذا البلاء لأن
زوجها قد تزوج من أخرى بغرض الإنجاب
؟ وماذا
أفادها الاستسلام للحزن الشديد على عدم وفاء زوجها لها سوى مضاعفة الخسائر.. وفقد الصحة والقدرة على الحركة بعد فقد
إخلاص الزوج لها دون غيرها من
النساء! إن عجز الإنسان عن
تقبل الأمر الواقع الذي لا يرضيه يضعه من حيث لا يدري في بؤرة الصراع
النفسي الذي يتأجج في أعماقه ويفور كما تفور الحمم في جوف البركان, فإن
لم يحسم هذا الصراع في الوقت الملائم والتواؤم مع الأمر الواقع الذي لا حيلة له فيه.. أو برفضه وتغييره, والخروج من
دائرة الانفعال السلبي
به, فان هذا الصراع قد يتحول
إلى مرض نفسي هستيري تصاحبه مظاهر مرضية كالاضطرابات
الحركية التي يفقد المرء معها القدرة على الحركة كما في الشلل الهستيري, وكاضطرابات النطق التي يعاني معها فجأة من
عدم القدرة علي الكلام
واحتباس الصوت أو تغير نبراته
أو الهذيان بصوت غريب بكلمات غير مفهومة تدفع البعض للاعتقاد بان
أرواحا شريرة قد تملكته, وكاضطرابات النظر مثل العمى الهستيري المؤقت الذي يفقد المرء معه الرؤية لفترة تطول أو تقصر
نتيجة لتأثره الشديد, بانفعال
حاد صارخ, وكل هذه الحالات قد
تظهر لدى السيدات في مجتمعنا أكثر من الرجال كتعبير لا
إرادي عن الصراعات الداخلية في حياتهن الزوجية أو العاطفية أو بهدف الهروب النفسي من مواجهة مواقف عصيبة يعجزن عن مواجهتها
واحتمالها, أو بهدف
اجتلاب الحنان والاهتمام اللذين
يفتقدانهما في العلاقة مع شركاء الحياة والقلب, وفي الأغلب
الأعم فان هذه الأعراض قد تظهر لدى السيدات الأقل نضجا من الناحية العاطفية والنفسية أكثر من غيرهن ـ كما تظهر أكثر أيضا
لدى السيدات اللاتي ينظرن إلى
الحياة نظرة أكثر رومانسية من
غيرهن, وفي كل الأحوال فإن العلاج لابد أن يتجه إلى الكشف عن
العوامل اللاشعورية المسببة لهذه الأمراض, وإلى حسم الصراع النفسي الشديد الذي أدى لظهور هذه الأمراض عن طريق العلاج
النفسي.
وفي حالة شقيقتك فإن العوامل
اللاشعورية التي سببت لها
هذه الآلام القاسية وأفقدتها
الإحساس بالنصف الأسفل من جسمها وأعجزتها عن الحركة والاستسلام
للرقاد وكغيرها من البشر, هذه العوامل معروفة ومكشوفة ولا تحتاج إلى جهد من الطبيب النفسي للغوص في أعماقها لاستكشافها,
ولقد عجبت أشد العجب من أن
يعرض زوجها أن يسرحها بإحسان
إذا كان في ذلك شفاؤها.. وهو يعرف جيدا أنها ما مرضت ولا تعرضت لهذه
المحنة القاسية إلا لعدم وفائه لها بعهد الإخلاص لها والاكتفاء بها دون غيرها من النساء.. كما يعرف جيدا أنها تحبه أشد
الحب وأعمقه.. وتدور كل
مشاعرها حول محوره, وتتمسك
بالأمل فيه بالرغم مما دفعته من ثمن باهظ لعدم وفائه لها من صحتها
وجسمها ونفسها, فكيف يكون الاقتراح السعيد الذي يتقدم به للتخفيف عن آلامها هو أن يطلقها ؟ وكيف لم يفكر إذا كان صادق
الرغبة حقا في إزاحة هذه
الغمة عنها في أن يكون اقتراحه
هو الانفصال عن الزوجة الأخرى التي لم يمض على زواجه منها سوى
أسابيع ولم تحمل ولم تنجب بعد, والحدب على زوجته الأولى إلى أن تستعيد صحتها الضائعة ؟ أنه اقتراح في الاتجاه الخاطيء
الذي ييسر عليه حياته
الجديدة مع من ارتبط بها..
وليس نوعا من التضحية أو الإيثار كما يوحي في ظاهره المعلن..
ولقد كان من واجبه أن يترفق بزوجته الأولى .. ويخيرها بين الاستمرار معه بعد الزواج من أخرى, أو الانفصال عنه في سلام,
وأن يمهد للخطوة التي أقدم
عليها بصبر وحرص طويلين يتكافآن
مع ما تحمله له زوجته الأولى من مشاعر.. وما يتوقعه لمثل هذا
الزواج الثاني من أثر رهيب عليها.
فإذا كانت دوافعه لمثل هذا
الزواج مفهومة .. فإن
الرحمة دائما فوق العدل.. وما
أكثر ما يطالبنا حسن الإدراك ورعاية حقوق الآخرين علينا بان نتلمس
مواضع خطانا ونحن نسعى إلى ما نعتبره حقا لنا..وبأن نحاول بقدر الجهد تقليل أضرار هذا السعي الذي نراه مشروعا على من
يضيرهم ذلك شئنا أم أبينا
ولو سألتني النصيحة لنصحتك
باستئناف العلاج النفسي لشقيقتك عسى أن يمهد ذلك لعلاج أمراضها الجسمية, ولنصحتك أيضا بإقناعها بطي صفحة هذا الزواج
نهائيا من حياتها..وتركيز
كل عنايتها الآن على صحتها وعلى
الآلام الرهيبة التي تعتصر جسمها وتطلق صرخاتها العالية ليل
نهار من أثر تأثر جهازها العصبي بصدمتها الشديدة في حبها لزوجها, وتتمسك بإرادة الشفاء.. والأمل فيه أكثر مما تتمسك
بالأمل في الزوج الذي مضي إلى
طريق آخر..ولسوف تعينها إرادة
الشفاء بإذن الله .. وحسمها للصراع النفسي الحاد في أعماقها على
مواجهة الأمر الواقع بشجاعة ورفضه وبدء حياة جديدة خالية من الأحزان
والآلام القاسية بإذن الله, أما طلب العلاج في الخارج فاني أضعه تحت أنظار المسئولين وآمل أن يجد لديهم ما يستحقه من استجابة
عادلة.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1999
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر