العين الزائغة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2001
الإنسان قد يخطئ أو يتنكب الطريق القويم مرة فإن لم يجد ما يشجعه على الاستمرار في الخطأ أو وجد من يردعه أو خشي من عاقبة الخطأ، فإنه قد يندم ولا يعود إليه مرة أخرى ولا يصبح سلوكا مألوفا لديه، وهذه هي حكمة التوبة.. ألا ييأس المخطئ من الأمل في رحمه الله في أي مرحلة من مراحل ارتكاب الخطأ وأن يرجع عنه بدلا من أن يواصله إلى ما لا نهاية، كما أن هذه هي أيضا الحكمة من إلغاء السابقة الأولى من صحيفة الحالة الجنائية للمواطن في كثير من المجتمعات المتقدمة باعتبارها خطأ قابلا للتقويم أو التغاضي عنه إذا لم يعتد مرتكبها الإجرام بعد ذلك وتتعدد جرائمه .. ففترة المراقبة التي تلي العقاب على السابقة الأولى هي دائما الفيصل في الحكم على سلوك مرتكبها .. وهل وعي الدرس جيدا وسوف يلتزم الطريق القويم فيما بعد أم العكس.
عبد الوهاب مطاوع
أنا سيدة أبلغ من العمر 30
عاما .. جامعية وعلى قدر من الجمال وخفة الظل كما أنني أيضا على قدر كبير من
الاستقلالية في شخصيتي وأسلوبي في معالجة مشكلاتي .. وأنا الابنة الوسطى لأسرة
تتكون من أب في منصب كبير وأم على قدر جيد من التعليم وعدة أخوة يشغلون كلهم مراكز
مرموقة وقد تعرفت خلال عملي على زوجي وأحببته واعترض عليه كل أفراد أسرتي للفارق
الاجتماعي بين الأسرتين .. لكني أصررت على الارتباط به .. وبذل زوجي كل ما يستطيع
ليرفع من مستوى التجهيزات اللازمة للفرح والأثاث, كما لم يبالغ أبي أو أمي في
طلباتهما المادية منه بعدما أحسا بإصراري عليه.
ولقد عاهدت نفسي أن أعيش
حياة أسرية أقرب ما تكون للمثالية وأن أحترم نفسي وألا أدع أية فرصة لزوجي لكي
يهينني أبدا وذلك عن طريق حفظ لساني في الخلافات العائلية ومحاولة ترك الغرفة في
أثناء الشجار وعدم التفوه بالتفاهات ومنذ بداية زواجي كنت اعرف أن زوجي طيب,
ويحبني بطريقته ويرغب في الاستقرار والسعادة, أما أنا فإن كنت عنيدة بعض الشيء فإني حين
أحب أخلص للنهاية وأحاول أن أوفر لزوجي كل ما يتمناه من زوجة تنتظره وترتدي أجمل
ما لديها وتتزين له, وتطهو له ما يحبه من طعام, وتكرم أهله.. إلخ.
وقد طبقت كل ما قرأته من
معلومات عن السعادة الزوجية وطرق الحصول عليها في حياتي وكثيرا ما اكتشفت أن زوجي
يخفي عني موارده المادية بالرغم من إني لا أطلب لنفسي شيئا إلا في حدود أقل القليل,
ومع ذلك ثرت ثم هدأت وناقشته وسألته عن السبب فلم يعرف إجابة غير الأسف والندم
الشديد, وتكرر هذا السيناريو أكثر من مرة وأرجعته إلى رغبة زوجي في بعض
الخصوصية أو في التملك, فبدأت في تخفيف أسئلتي ومحاصرتي له .. ثم جاء لزوجي الذي
يبلغ عمره الآن 38 عاما فرصة عن طريق أحد أقاربي للسفر إلى دولة افريقية بثلاثة
أضعاف دخله فوافق وأصر على مرافقتي كما أصررت أنا أيضا على ذلك وتخليت عن عملي
المرموق لحرصي الشديد أن تنشأ ابنتي وابني في ظروف أسرية طبيعية.
وتمنيت أن تحسن الغربة طباع
زوجي الذي يثيره أتفه التصرفات من ابنتي وكثيرا ما يتعامل معنا بعصبية وأقابل ذلك
بالهدوء خصوصا أمام طفلي لكي نصبح أنا ووالدهم واجهة واحدة ثم أناقشه بعد ذلك
بهدوء .. وحرصت طوال السنوات الست الماضية على أن أواظب على صلاتي وأدفعه إلى
الصلاة باستمرار .. مرة بالشجار ومرة بالتودد .. وأدينا فريضة الحج ثم ازداد
حرصي على أن يصلي زوجي بانتظام وكنا نرجع في الأجازة السنوية كل عام وقد ازداد
يقيني أن طباع زوجي لا توافقني إلى أن حدثت آخر الخلافات .. ففي هذه الدول تكثر
الخادمات وطبعا لابد من وجود واحدة نظرا لظروف الجو شديد الحرارة.
فدخلت
يوما على زوجي فأحسست بشيء غير طبيعي ولما سألته ارتبك ثم غادر الغرفة ولما ذهبت
للخادمة وسألتها بكت وقالت إنها تخاف الله وأن زوجي دائم التحرش بها وهي تأبى
وترفض أن تستسلم له لأنها متدينة وتحبني وهي تخاف حين أتركها مع الأولاد واذهب
لشراء أي شيء ولا تتخيل كيف كان وقع هذه الكلمات علي .
لقد طالبتها بالمغفرة لي
ولزوجي ورجوتها ألا تخبر أحدا .. ثم خرجت وأخذت أولادي وحاولت أن أحجز تذاكر
السفر للعودة إلى بلدي مع أولادي وعند عودة زوجي من العمل أبلغته أن الخادمة قد
تركتنا وأنني طلبت منها ذلك, لأنني سوف ارجع إلى بلدي بعد خيبة أملي فيه وفي
إصلاحه .. فحاول الإنكار في البداية لكنه ونتيجة رفضي حتى مجرد النظر إليه جاء
ليقبل يدي ويقبلني فلم اشعر بنفسي إلا وأنا أرتعد وأصرخ ولولا خوفي على ابنتي التي
جاءت على صوتي لما توقفت دموعي وصراخي .. لقد انهمرت دموعي دون توقف لمدة ثلاثة
أيام متتالية، ولم يتوقف لساني عن الدعاء عليه وترديد عبارة حسبي الله ونعم الوكيل, وحاولت أن أدعو
له بالهداية فلم يطاوعني لساني لأول مرة .. وكلما حاول التحدث معي لا أطيق حتى
الجلوس بجانبه في نفس الغرفة, وبدأت حالتي النفسية في التدهور وبدأ المرض يهزمني
فأيقن زوجي أن محاولاته للاعتذار والندم لا فائدة منها. وخشي أن أمرض فبكي بين
يدي وأقسم أن الله قد أراد فضحه في الوقت المناسب حتى يتوقف عن زوغان العين الذي
كثيرا ما رجوته أن يقلع عنه, مذكرة إياه بأن لنا ابنة واني أخاف عليها أن يحدث
لها مثلما يفعل هو مع الأخريات.
وكلما توقف وقاوم قليلا رجع
لطبيعته مرة ثانية.
المهم.. أنه أقسم أن هذه المرة هي الأخيرة ولا
رجوع فيها .. ولكني للأسف لم أستطع أن أسامحه, ودعوت الله أن يهديني إلى ما
يحبه ويرضاه لأني بصراحة أخاف غضب الله وأرجو رحمته وغفرانه ولما هدأت بيننا
الأمور واستطعت التحدث معه قررت أن انفصل عنه في الفراش حتى أهدأ وإن كنت لا أعرف
إن كنت على حق في ذلك أم لا؟
وهل يحاسبني الله على
امتناعي عن زوجي أم أن ظروفي النفسية تكفي لتكون عذرا لي.
لقد طلبت منه الطلاق ولكنه
رجاني أن أؤجل هذه الفكرة حتى يرجع في الأجازة السنوية في شهر يونيو القادم ..
والآن أنا في بيت أبي وأمي, ولقد رجاني ألا أخبر أحدا مهما يكن بهذه القصة
وأقسمت على ذلك لكني حزينة إلى أبعد مدى. لقد تمنيت أن أعيش حياة هادئة طبيعية
مع رجل أحبه واحترمه ومع زوج يستطيع احتوائي وأنا إنسانة أرضى بالقليل ويسعدني
ضحكة زوجي وأولادي. ولا أهمل في احتياجات زوجي العاطفية أو المادية وأسانده في أي
أزمة ولا أهمل في مظهري في أي وقت من الليل أو النهار.
فلماذا إذن يخون الإنسان من
أعطاه الأمان؟ وماذا يريد الرجل أكثر من زوجة تخاف عليه وعلى ماله وعرضه وولده؟
ولماذا لا يحمد الله على ما رزقه به من أبناء ورزق ومال؟ أنا لا أعمم تجربتي على
أحد, ولكني أسألك بأمانة هل العين الزائغة داء له شفاء؟! هل لان لكل الرجال أن
ينظروا إلى محاسن النساء الأخريات؟ هل هذا طبيعي؟ وإذا كان الله قد أمرنا بغض البصر للمؤمنين والمؤمنات
فما المبرر الذي يجده زوجي في النظر إلى غير ما أحله الله؟ لو يعلم الرجال مدى
المهانة التي تشعر بها الزوجة بعد هذه النزوة العابرة كما يسميها زوجي لتوقفوا عن خيانة زوجاتهم
بأي صورة وأي شكل. إن زوجي يطلب مني السماح وأنا في داخلي مازلت أكن له مشاعر
العشرة أو لا أعرف كيف أكره أحدا فما بال زوجي الذي عارضت أهلي كلهم وتزوجته.
لكني من ناحية أخرى لا أنسى
الإساءة سريعا ولا أؤمن بأن الإنسان يمكن أن يتغير بمجرد الضغط علي أزرار. فهل
ترجح كفة التغاضي عن الموقف البشع الذي وضع زوجي نفسه ووضعني فيه أما ترجح كفة
الانفصال الآن مادمت لا استطيع أن أنسى ما فعله بي وبأولاده. خاصة أن ابنته التي
تبلغ من العمر أربع سنوات قد رأته مرة يحاول أن يقبل الخادمة وأخبرتني بطريقتها
ولم أفهمها في حينها؟
وهل من يعاني هذا الضعف
البشري يظل يعانيه طوال العمر؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
ليس فيما تروين عن زوجك ما
يشير إلى أن له نزوات سابقة لهذه النزوة المخجلة, وبالرغم من بشاعتها وتأثيرها
الضار على مثالياتك ومعنوياتك كزوجة فإنه ليس هناك حتى الآن ما يقطع بأن هذا
الانحراف الأخلاقي قد تمكن من زوجك أو انه قد تحول إلى انحراف نفسي مستقر ينذر
بالمتاعب ويتعذر علاجه.. فالإنسان قد يخطئ أو يتنكب الطريق القويم مرة فإن لم
يجد ما يشجعه على الاستمرار في الخطأ أو وجد من يردعه أو خشي من عاقبة الخطأ,
فانه قد يندم ولا يعود إليه مرة أخرى ولا يصبح سلوكا مألوفا لديه, وهذه هي حكمة
التوبة.. ألا ييأس المخطئ من الأمل في رحمه الله في أي مرحلة من مراحل ارتكاب
الخطأ وان يرجع عنه بدلا من أن يواصله إلى ما لا نهاية,
كما أن هذه هي أيضا الحكمة من إلغاء السابقة الأولى من صحيفة الحالة الجنائية
للمواطن في كثير من المجتمعات المتقدمة باعتبارها خطأ قابلا للتقويم أو التغاضي
عنه إذا لم يعتد مرتكبها الإجرام بعد ذلك وتتعدد جرائمه. ففترة المراقبة التي
تلي العقاب على السابقة الأولى هي دائما الفيصل في الحكم على سلوك مرتكبها.. وهل
وعي الدرس جيدا وسوف يلتزم الطريق القويم فيما بعد أم العكس.
ولأن هناك أطفالا صغارا
يجمعون بينك وبين زوجك, ولأنك قد اخترته من قبل وتمسكت به بالرغم من فارق
المستوى الاجتماعي كما تقولين فليس من الحكمة أن ينهدم المعبد الذي كافحت لبنائه
عند أول عاصفة حتى ولو كان الخطأ بشعا على هذا النحو, ولقد يكون
الأقرب للرحمة بالأطفال وبنفسك وزوجك هو أن تعتمدي على نفس هذا المبدأ الخاص بفترة
المراقبة بعد تنفيذ العقوبة على السابقة الأولى، وتراقبي سلوكه.. وتتهيئي
لاستعادة حياتك معه.. وتحددي موقفك في النهاية على ضوء نتائج المراقبة, فإن
صدقت التوبة وصح الندم فإن الله يغفر ولا يعير وإن جاءت النتائج مثيرة للشكوك حول
إدمان التطلع إلى غير ما أحله له الله.. كان لك أن تختاري لحياتك وفقا لما ترينه
محققا لسعادتك مع ضرورة وضع مصلحة الأبناء دائما في الاعتبار, فأما الانفصال في
الفراش فإنه لا يعينه على أمره.. ولا على ما ترجينه له من التزام الطريق القويم
وغض البصر عما لم يحله له الله.. وفارق كبير بين العقاب بدافع الانتقام وحده أو
الغضب الأعمى وحده وبين العقاب بدافع الرغبة في الإصلاح.. والأمل في استعادة المخطئ
إلى حظيرة الأمان.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2001
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر