والشوق مركبي ! .. .. بقلم عبد الوهاب مطاوع
أحب شهر رمضان وأشقى
بلياليه ! .. أحب الصفاء الذي يتبدى في الوجوه عند اقتراب
المغرب .. وأحب السكون والسلام اللذين يخيمان على الدنيا قبيل الإفطار وأترقب
سعيداً صوت الشيخ محمد رفعت يؤذن للمغرب بصوته الخاشع النبيل ، والفانوس
الملون الكبير يضيء في مسكني مع انطلاق المدفع ويلقي بظلاله الملونة على المكان .
إشارة الإفطار ترتبط عندي من ذكريات الطفولة بحاسة البصر لا بحاسة السمع كما هو
الحال مع أهل القاهرة والمدن الكبرى. ففي مدينتي الصغيرة التي نشأت بها لم يكن لنا
مدفع للإفطار.. وإنما كنا نتواصى كل يوم بالاحتراس من الإفطار عند سماع صوت يدوي
في الراديو . لأن مدينتي تفطر بعد القاهرة بـ 7 أو 8 دقائق. وما كان أبطأ هذه
الدقائق القليلة علينا ونحن صبية صغار وما أكثر ما تساءلنا بضيق لماذا يستمتع أهل
العاصمة بطعامهم وشرابهم قبلنا .
مضت سنوات طويلة حتى استوعبت عقولنا الصغيرة حكاية خطوط الطول ومغيب الشمس في مدينة قبل أن تغيب في مدينة أخرى واكتفينا باعتبار مدفع القاهرة بشيراً بقرب ترطب الألسنة الجافة بالشراب وعيوننا تتركز على مئذنة مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي العالية نرقبها من الشرفة .. وننتظر "البشارة" ّ! بشرانا هي إضاءة فروع اللمبات الكهربائية التي تحيط بها فإذا أضاءت هللنا فرحين كما يهلل جمهور الكرة عند إصابة المرمى.. وأسرعنا إلى الماء والشراب وصوت المؤذن يدعو الصائمين للتحلل من صومهم.
كانت ليالي
رمضان بالنسبة لي في سن الشباب سمرا بريئاً وجولات ساهرة في حي الحسين ، وأصبحت
الآن عملاً متصلاً يستغرقني من بعد الإفطار إلى ما قبيل الفجر .
"يفاجئني" الفجر كل يوم ولم أنته بعد مما أريد أن أكتبه أو أؤديه ولابد
من محاولة الاستمرار بلا قهوة ولا شاي . يجافيني النوم فلا استطيع الاستعانة عليه
بشراب مهدئ للأعصاب كما أفعل في الأيام العادية . في فراشي أواصل القراءة حتى يسقط
الكتاب من يدي وأغيب في النوم مؤملاً أن أنام ساعات كافية تجدد نشاطي ، فأصحو بعد
دقائق وأمد يدي والتقط الكتاب من الأرض وأعاود القراءة إلى أن يسقط مرة أخرى وهكذا
عدة مرات حتى الصباح وأحياناً حتى الظهر . قراءاتي في شهر رمضان تنحصر في القراءات
الدينية وبعض كتب التاريخ الإسلامي التي سبق لي قراءتها لكي تسترخي أعصابي
المشدودة وتقربني من أمل النوم . انتهيت قبل رمضان بعشرين يوماً من مشروعي الخاص
لقراءة القرآن قراءة متأنية مستعيناً على دراسته وفهمه بالتفاسير الكبرى. قبل أن
أبدأ هذه المحاولة انتهيت من قراءة التوراة والإنجيل واستغرقت قراءتهما عاماً
كاملاً من عمري وحين بدأت قراءتي أو دراستي للقرآن سجلت في فهرس الكتاب بالقلم
الرصاص تاريخ بدء المحاولة وعندما انتهيت من قراءة آخر سورة رجعت للبداية فاكتشفت
أني قد بدأت في 2/2/1988 وانتهيت في 4/1/1992 أي أن محاولتي قد استغرقت ثلاث سنوات
تقريباً تخللتها بعض فترات التوقف القصيرة . ورغم ذلك فلقد كانت النتيجة الأولى
التي خرجت بها منها هي أني في حاجة لبدء دراسة أوسع للقرآن الكريم .
يا إلهي .. كيف استطاع
الأئمة العظام أن يحفظوا ويستوعبوا القرآن الكريم وأحكامه والحديث النبوي الشريف
ودلالاته ثم يجلسوا للناس في مجالس الإفتاء وبعضهم قد أجيز للفتيا من شيوخه بعد
امتحان عسير في القرآن والحديث والفقه وهم في سن الشباب ؟ هؤلاء وأمثالهم انقطعوا
للعلم منذ الصبا وحفظوا القرآن والحديث وارتحلوا من مكان إلى مكان يسمعون من
الشيوخ الكبار وبعضهم كان يسافر السفر الطويل بالشهور ليستقصي حديثاً شريفاً
ويسمعه من رواته ويمتحن صحته وأمثالهم هم من عناهم الرسول الكريم بقوله: أصحابي
كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم. نعم هم نجوم تهدي الضالين في صحراء الحيرة فقد
نقلوا عن التابعين والتابعون نقلوا عن الصحابة والصاحبة أخذوا عن معلم البشرية
صلوات الله وسلامه عليه والأمين قد نقل الرسالة عن رب العرش العظيم. أتأمل كثيراً
قصته مع أصحابه وهم في أحد أسفارهم خلال شهر رمضان وقد صام من صام وأفطر من أفطر
مستخدماً رخصة الإفطار في السفر فلم ينه صائماً ولا مفطراً غير أن بعض الصائمين قد
اشتد بهم الجوع والعطش في قيظ الصحراء فنصحهم برفق بأن يفطروا فاستحيوا أن يفعلوا
وواصلوا الصوم حتى أشرف بعضهم على الهلاك فجاءهم الأمين مغضباً يقول : يا معشر
"العصاة" إني مفطر فافطروا!
أتأمل كلمة
"العصاة" ويزداد عجبي وإعجابي بإنسانية المعلم ورحمته فقد اعتبرهم
بتعنتهم مع أنفسهم قد عصوا أمر ربهم بألا يوردوا أنفسهم مورد التهلكة وأراد بذلك
أن يحثهم على الرحمة بأنفسهم .
أضيق كثيراً بطائفة من
الأطباء يخرجون علينا كل رمضان بحديث مكرر معاد على أن الصوم يفيد الجسم ولا يضر
الصحة ، فأكاد أسألهم في كل مرة : وماذا لو كان ضاراً بالجسم والصحة .. أكنا نمتنع
عنه ؟ . إننا نصوم لأن الله قد أمرنا بالصيام ولأن كل عمل ابن آدم له إلا الصوم
فهو لله كما جاء في الحديث القدسي وليس يعنينا كثيراً إن كان ضاراً أو مفيداً لها
، لأننا نصدع بما نؤمر ونؤمن بما جاء به موسى وعيسى ومحمد ولا يجوز في رأيي مهما
كانت النوايا طيبة أن نخضع ركنا من أركان الإسلام لجدل العلماء واختلاف الآراء بين
مؤيد للفوائد الصحية وبين مخالف لها . فالإيمان هو التصديق بالقلب والتفكير فريضة
دينية وسيلتها العقل والدليل العقلي وليس العلم التجريبي الذي تتغير حقائقه من جيل
إلى جيل وفرائض الإسلام الخمس لا تحتاج إلى وساطة بين الخالق والمخلوق ويستطيع
المرء أن يمارسها جميعاً بنفسه بلا وسيط بينه وبين ربه .
ومن كلام الصوفية الجميل
الذي أطرب له وأستعيده كثيراً خلال قراءات رمضان : إن المحبة هي الموافقة أي
الطاعة له فيما أمر والانتهاء عما زجر والرضا بما حكم وقدر .
وأحسب أن معاني الإيمان
تتمثل بأفضل صورة في مثل هذا الكلام الجميل الذي يمزج بين المحبة والطاعة
والانتهاء والإيمان بالقضاء والقدر بغير حاجة إلى مزايدة بعض المزايدين . أما قمة
طربي فحين اقرأ ما رواه على ابن أبي طالب رضي الله عنه من أنه قد سأل الرسول
الكريم عن سنته فقال :
" المعرفة رأس
مالي ، والعقل أصل ديني ، والحب أساسي ، والشوق مركبي ، وذكر الله أنيسي ، والثقة
كنزي ، والحزن رفيقي ، والعلم سلاحي ، والصبر ردائي ، والرضا غنيمتي ، والفقر فخري
، والزهد حرفتي ، واليقين قوتي ، والصدق شفيعي ، والطاعة حسبي ، والجهاد خلقي ،
وقرة عيني في الصلاة".
هذه هي سنته صلوات الله
وسلامه عليه ، فهلاَّ لاحظت مفردات المعرفة والعقل والعلم والذكر وهل طربت كما
طربت أنا لمفردات الحب والشوق والصبر والرضا في حديث من لم يكن ينطق عن الهوى ؟
وهل مست قلبك عبارتا "الحزن رفيقي والشوق مركبي " كما مستا قلبي ؟!
إن الحب بمعناه الكبير
يشمل الحب الإلهي وحب البشر وحب المرء لأخيه والأم لولدها والزوجة لزوجها والرجل
لزوجته وولده وحب الخير للجميع ، ومن بين قراءات رمضان التي تستوقفني كثيراً ما
قاله الإمام بن حزم الأندلسي في باب طي سر المحبين في كتابه طوق الحمامة من أن بعض
صفات المحبين الكتمان باللسان والتصنع بإظهار الصبر وحسب المرء أن يعف عن محارم
الله عز وجل والتي يأتيها باختياره ويحاسب عليها يوم القيامة ، أما استحسان الحسن
وتمكن الحب فطبع لا يؤمر به ولا ينهى عنه .. إذ القلوب بيد مقلبها !"
صدقت والله يا شيخنا
الإمام .. إن القلوب بيد مقلبها .. فما يملك المرء كما قلت أنت إلا "حركات
جوارحه المكتسبة " أي حركات جسمه ..فيستطيع أن يرفع يده أو ساقه أو يخفضها ..
لكنه لا يستطيع أن يفتح قلبه لمن انغلق دونه ولا أن يغلقه دون من انفتح له دون
إرادته .. وتطول قراءات رمضان .. وبين سقطة الكتاب واستعادته من الأرض توقفت ذات
مرة متفكراً أمام مشهد الختام في حياة الخليفة المعتصم العباسي وهو يحتضر ويقول
نادماً : ذهبت الحيلة فلا حيلة ..اللهم إني أخافك من قبلي ولا أخافك من قِبَلك
وأرجوك من قِبَلك ولا أرجوك من قِبَلي!
وأجدني بغير وعي أردد وراءه نفس الدعاء : نعم نعم نخافك من قِبَلنا لأننا بشر خطاءون ولا نخافك من قِبَلك لأن رحمتك قد وسعت كل شيء فاغفر لنا اللهم ما تقدم وما تأخر من ذنب إنك سبحانك من لا ينقطع فيه الرجاء . واكتفي بهذا القدر .. فلقد سقطت الظلال الملونة فجأة على الورق وانطلق مدفع الإفطار!
شارك في إعداد النص / أحمد محمود
راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر