الخيط السحري .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

الخيط السحري .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

الخيط السحري .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

أنا سيدة متزوجة تزوجت منذ احد عشر عاما وبعد فترة قصيرة من الزواج حملت وفرحت بحملي وجاء يوم الولادة فكانت للأسف متعسرة على غير المتوقع وكان المفروض في هذه الحالة ألا ألد ولادة طبيعية لكن الطبيب المولد سامحه الله أراد أن يتخلص من المأزق فاستخدم الجفت لإتمام الولادة بطريقة وحشية .. وجاءت طفلتي للحياة جميلة للغاية .. لكنها أصيبت للأسف بنزيف في المخ من أثر الجفت ونقلت إلى الحضانة وبعد 4 أيام رجعت بها إلى بيتي وطفت بها على الأطباء الذين قالوا لي أن مراكز الحركة في المخ قد تلفت بسبب أخطاء عملية الولادة وأنه لا أمل في شفائها .. وسلمت أمري إلى الله وقدمت لابنتي كل الحب والحنان والرعاية .. والآن قد أصبح عمرها عشر سنوات واستقرت حالتها على أنها لا تتحرك نهائيا ولا تتكلم ولا تتحكم في عملية الاخراج , ورغم ذلك فهي تفهمني جيدا حين أتكلم معها كأن بيننا خيطا سحريا ينقل إليها أفكاري كما أنها حساسة جدا وتبكي إذا شعرت بأنني متضايقة أو إذا لاحظت آثار دموع.

وأنا يا سيدي أحب ابنتي جدا لكني أفتقد روح المشاركة الحقيقية ممن حولي , فأنا أعمل مدرسة أولى بمدرسة اعدادية , ونظرا لأن ابنتي لم تقبلها أية حضانة ولم أجد من أهلي من يقبل رعايتها خلال غيابي في عملي .. فلقد اضطررت بعد تجارب ومحاولات مريرة وكثيرة إلى أن أخرج إلى عملي في الصباح وأتركها وحدها في الشقة بعد أن أقوم بإطعامها وتغيير ملابسها , وقد اضطررت إلى هذا الحل القاسي رغم صعوبته على نفسي في البداية لأنه لم يكن أمامي سواه , ولأن خروجي إلى مدرستي هو الترفيه الوحيد الذي أمارسه في حياتي منذ جاءت طفلتي للحياة لأن ظروفها تمنعني من الخروج بعد الظهر ومن الزيارات والنزهات .. إلخ .. إذ يتعذر علي وعلى والدها أن نحملها على ذراعينا ونخرج بها ونفضل البقاء في البيت كحل أسهل وقد تعودت على ذلك ولم تعد هذه هي المشكلة , وإنما المشكلة الحقيقة هي في ساعات الصباح التي أقضييها في المدرسة , فقد عملت في البداية في احدى المدارس وشرحت لناظرها ظروفي الخاصة فقدرها مشكورا وظللت ست سنوات أعمل بهذه المدرسة وأذهب إليها لأنجز عملي في أقل وقت ممكن ثم أهرول عائدة إلى طفلتي وبيتي , أما الآن فأنا أعمل مع ناظر مدرسة لا يوافق على "إدخال" الظروف الشخصية في العمل ويريدني أن أتواجد في المدرسة من السابعة والنصف صباحا حتى الواحدة والنصف بعد الظهر وحاولت بكل الطرق شرح ظروفي له فقال لي أن لجان المتابعة لا تعترف بالظروف الخاصة لأحد, فشعرت بأن الدنيا قد اسودت في وجهي ذلك لأني لا أستطيع الحصول على إجازة بدون مرتب لأن حالة طفلتي مستقرة ولأنني في حاجة لمرتبي أيضا , وإذا فعلت ذلك فهل أظل في إجازة إلى نهاية العمر وأعيش داخل جدران مسكني لا أغادره ليل نهار ؟

ألا من طريقة تسمح لي برؤية الدنيا وممارسة عملي بالمدرسة لمدة ساعتين أو ثلاث ساعتين كل يوم ولو أدى إلى نقص مرتبي لكي أستطيع العودة مبكرا لطفلتي ولكيلا أحكم على نفسي بالسجن داخل شقتي طول اليوم .. وألا من مكان في مصر يقبل طفلتي بظروفها هذه أو مركز متخصص يعالجها , إذا كان القانون والناس لا يرحمون .. أفلا من رحمة من السماء تريحني وتريح ابنتي ؟

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكــــاتـبة هــذه الرســــالــة أقـــول:

 

رحمة السماء تسع الجميع يا سيدتي وفي كل وقت فلا تقنطي من رحمة الله .. ولا تفقدي الأمل فيها أبدا فأما الحضانة التي تقبل طفلتك فلسوف أعرض حالتها على احدى دور الحضانات المتخصصة في رعاية أمثال طفلتك وآمل أن تقبلها بضمان بريد الأهرام للمساهمة في تكاليفها الشهرية لفترة عام أو عامين على الأقل إن شاء الله.

أما سجنك بين جدران مسكنك بعد العودة من المدرسة وامتناعك عن الخروج والزيارات وممارسة أي نشاط ترفيهي أو عائلي أو اجتماعي فلا مبرر له وهو ظلم لطفلتك نفسها قبل أن يكون ظلما لك لأنه ما أيسر أن تحصلي على مقعد متحرك للأطفال يتيح لك حرية الخروج والحركة بطفلتك والترويح عنها وعن نفسك , ولسوف يساعدك بريد الأهرام أيضا في الحصول على مثل هذا المقعد المطلوب في أقرب فرصة بإذن الله .. وأما موقف ناظر مدرستك منك فلا أستطيع لومه عليه وإن كانت الرحمة مقدمة دائما على العدل والمساواة في مثل هذه الظروف .. وربما يفيدك في هذا الشأن أن تكتبي طلبا للأستاذ الدكتور حسين كامل بهاء الدين وزير التعليم وهو أب قبل أن يكون وزيرا لعله يرى في ظروفك الإنسانية ما يبرر إعفاءك من بعض ساعات العمل .. ولو بخصم جزء من المرتب كما تطلبين وأرجو أن أعرض عليه طلبك في أقرب وقت وأن يجد قبولا لديه كما عهدته دائما في مثل هذه الحالات الإنسانية.

وأما عن المركز المتخصص الذي يعالج مثل حالة ابنتك فها أنا أتساءل معك عنه وأرجو أن يفيدني أهل الخبرة والاختصاص بما يعرفون عن ذلك مشكورين فتفضلي بزيارتي مساء الاثنين القادم والله فعال لما يريد.

5 مايو 1995

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1995

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات