البقع السوداء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1993
قصتي باختصار أنني تزوجت زوجتي
منذ 15 عاما وسارت الحياة بنا فكانت زوجة فاضلة بكل معنى الكلمة ورزقنا الله
بولدين احسنا تربيتهما والحمد لله , وحين تزوجت زوجتي كان لها إخوة صغار .. وخلال
رحلة الحياة كبر هؤلاء الصغار وانحرفوا نعم انحرفوا بل وصاروا مجرمين وحتى أسماؤهم
تغيرت واتخذوا لهم أسماء أخرى كتلك التي نسمع عنها في عالم الاجرام , ولقد اتخذت
قراري من البداية بالقطعية التامة .. فلا علاقة لنا بهم ولا علاقة لهم بنا اللهم
إلا في أضيق الحدود ودون علمي وأصمت إن عرفت على مضض , ثم رزقنا الله بطفلة جميلة
أصبحت سببا في تزايد قلقي وحيرتي من المستقبل إذ كثيرا ما أفكر في مصيرها حين تشب
وتكبر ولها مثل هؤلاء الأخوال المنحرفين الذين لا أخلاق لهم ولا أمل في إصلاحهم ,
إننا أسرة معروفة في الحى الذي نعيش فيه بالتدين والأخلاق وأنا شديد التدين وكذلك
زوجتي بارك الله فيها وقد أثر هذا القلق والحيرة على علاقتي بزوجتي بالرغم من أنها
تعرف حق ربها وزوجها وأبنائها وتؤديه حق الأداء.
لقد حاولت جهدي أن أدع هذا الأمر لصاحب الأمر , لكنها النفس البشرية وطبيعتها في الخوف من المجهول واستعجال الأمور فهل تشير علي بما ينبغي أن أفعل خاصة وأني لم أحدث أحدا في هذا الأمر حتى زوجتي .
جميع الحقوق محفوظة لمدونة
"من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولــكــاتــب
هــذه الــرســالـة أقـــول:
خير ما تفعل يا سيدي هو أن تدع
الأمر لصاحب الأمر وتقطع ما استطعت ما بين أسرتك وبين هؤلاء المنحرفين وتحرص على
ألا يزورونك في بيتك وألا يزورون أختهم في بيتها في غيابك ولك في ذلك حق شرعي
عليها هو ألا تدخل بيتك من تكره وعليها لك في ذلك حق الطاعة أما إذا كانت تراهم في
المناسبات المتباعدة في بيت الأسرة أو عرضا في الطريق فلا جناح عليك في ذلك وبشرط
ألا تصطحب معها أولادك حتى لا تنشأ أية علاقة إنسانية بينهم وبين أخوالهم هؤلاء ما
لم يرجعوا عن غيهم.
وأفضل ما تفعل إذا علمت بأمر هذه الزيارات
المتباعدة هو أن تتغاضى إكراما لزوجتك ومراعاة لحرجها الانساني منهم وبشرط ألا
تتجاوز العلاقة هذه الحدود ولو توقفت نهائيا لكان أفضل مع ضرورة رفضها القاطع لأي
هدية من هؤلاء الأشقاء المنحرفين .. فمالهم حرام وهديتهم حرام أيضا ووزر الهدية من
مال معروف مصدره الحرام كوزر أكل الحرام سواء بسواء .. أما قلقك على مستقبل ابنتك
فإني أفهم دوافعه وأقدرها ولكني لا أرى مبررا للمغالاة فيه .. فالمستقبل غيب في
علم الله والسمعة الطيبة الأصلية تصمد للبقع السوداء التي لا حيلة للمرء فيها كما
أن التدين والأخلاق سياج كفيل بأن يحمي ابنتك من المؤثرات السلبية لوجود هؤلاء
الأقارب المنحرفين بإذن الله .. وكل نفس بما كسبت رهينة يا صديقي وليس بما كسب
أخوالها أو أعمامها .. فهون الأمر على نفسك .. ولا تحاسب زوجتك عما لم تجنه يداها
ويكفي أنها زوجة متدينة عطوف ترعى حق ربها وحقك وحقوق أبنائها. وضمائر الناس في
النهاية ليست بعيدة عن العدل كما نتصور أحيانا في غمار هواجسنا ومخاوفنا .. فهم
يقرأون قول الحق سبحانه وتعالى "ولا تزر وازرة وزر أخرى" ويعرفون الفارق
بين التدين والأخلاق والالتزام وبين الاجرام والانحراف والاستهتار, بل إن وجود
اللون الأسود جوار الأبيض يؤدي عند المنصفين إلى زيادة الإحساس بالتباين وبالفوارق
بينهما وليس إلى إدانة الأبيض بالأسود .. فاستمر في اعتزال هؤلاء الأقارب
المنحرفين إلى أن يثوبوا إلى رشدهم وواصل حياتك الآمنة الشريفة مع زوجتك ولا تسمح
لهذه الهواجس بأن تنغص عليكما سعادتكما وأد واجبك كاملا في تنشئة أبنائك التنشئة
المتدينة الفاضلة .. ولن يضيعهم الله أبدا .. إن شاء الله.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يناير
1993
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر